الوثيقة العربية و دورها في خدمة المجتمع
التاريخ: 12-10-1426 هـ
تصنيف المواضيع: علم التوثيق




الوثيقة العربية و دورها في خدمة المجتمع


دور الوثيقة العربية في حوار الحضارات

مقدمة:

"أحب أن أعلم الخطوات التي سارها الإنسان في طريقه من الهمجية إلى المدنية"

فولتير

"للكلمات أجنحة لا يمكن لأحد أن يمنعها من الطيران"

فالوثائق شواهد حقيقية دامغة على حضارات مرت واندثرت وأخرى استمرت في التطور والنشوء. فالوثائق أدّت دوراً هاماً وحساساً في مختلف مراحل الحضارة الإنسانية، ولعلنا جميعاً نعرف عن الحضارات التي مرت بها البشرية أو نعرف جزءاً منها. ومما لا شك فيه بأن الحضارات قد تفاعلت مع بعضها تفاعلاً حقيقياً فالحضارات القديمة في الشرق تفاعلت مع الحضارات القديمة في الغرب والشمال والجنوب والعكس صحيح، وكذلك في عصرنا الحالي نلحظ الاحتكاك والانصهار العالمي في حضارة إنسانية واحدة نتيجة تطور وسائل الاتصال وتكنولوجيا المعلومات، فالاحتكاك الحضاري الحالي يتم بتبادل المعلومات بالمعنى الحاصل لها. وفي محاضرتنا هذه لن نركز كثيراً على موضوع الحضارة بل سنركز جل اهتمامنا على دور الوثيقة الأساسي في تطور نقل الحضارات من جيل إلى جيل إذ يمكن لأي باحث مهما كانت مقدرته في البحث عن حضارة ما دون أن يعتمد الوثيقة دليلاً أو عنصراً دامغاً في إثبات قضية أو حقيقة ما. وسنسلط الضوء على تطور شكل الوثائق وتنوعها في مراحل نشوء الحضارات وعن دورها الذي أدته:

الكتابة على جدران الكهوف:

وهي كانت أولى الوثائق التي نقلت إلينا الحياة والحضارة السائدة آنذاك، إذ كانت هذه الصورة والتعابير تجسد تجسيداً حقيقياً وواقعياً لتلك الحقبة الحضارية، لأن التعبير عن هذه المرحلة يتم بالصور لا بالرموز والحروف فهي إذاً صورٌ واضحة المعالم.

الرقم الطينية:

كان لحضارة ما بين النهرين دور كبير في الحياة الإنسانية الثرة فقد اخترع إنسان هذه الحضارة وثائق من أديم الأرض كانت تشوى بالنار للحفاظ على مظهرها اللائق، حيث سجل كل ما يهم حياته العربية السياسية والاجتماعية والاقتصادية، وحفظت هذه الرقم في أرشيفات ومكتبات ضخمة تدل على غنى هذه الحضارات وتفاعلاتها النوعية والمميزة مع الحضارات الأخرى.

أوراق البردي:

أما الوثائق في وادي النيل فكانت تصنع من ورق البردي الذي كان منتشراً على ضفاف نهر النيل أو في دلتا النيل، فقد عمد إنسان هذه الحضارات إلى استخدامها فاخترع من هذه النباتات وثائق عملاقة تبلغ أكبر واحدة مكتشفة منها 40م في متحف "لايبزغ" في ألمانيا، وتتوزع هذه الوثائق على متاحف العالم المتنوعة. كل ذلك شواهد عظيمة على قوة ودور الوثيقة في حوار الحضارات.
وكانت طريقة الصنع أن تقطع سوق نبات البردي إلى شرائح توضع متقاطعة بعضها فوق بعض ثم تضغط ويصنع منها ورق البردي عماد حضارة النيل، وكانت الكتب تصنع من الأوراق بضمها بعضها إلى بعض وإلصاق الطرف الأيمن من واحدة بالطرف الأيسر من التي تليها، فتكون منها ملفات يبلغ طول الواحد منها أحياناً نحو أربعين ياردة، وكانوا يصنعون حبراً أسود لا يتلاشى بمزج الصناج والصمغ النباتي بالماء على لوحة من الخشب. أما القلم فكان قطعة بسيطة من الغاب أو القصب يعالج طرفها ليكون كقلم الرسام.
وقد كانت أقدم الكتابات المصرية التصويرية تعبر عن الشيء برسم صورة له.
مواد الكتابة في شبه جزيرة العرب:

من المعروف أن مواد الكتابة التي استخدمت في وادي النيل هي البردي والرقم في بلاد ما بين النهرين إلا أن مواد الكتابة في شبه جزيرة العرب اختلفت كلياً، فهي من صلب البيئة الطبيعية التي وجدت فيها وما توافرت لها.

في مصر استخدمت المواد التي استطاعت أن تقاوم جفاف تلك المنطقة، وكذلك استخدمت مواد استطاعت مقاومة رطوبة منطقة بلاد ما بين النهرين.

فالمواد المستخدمة للكتابة في شبه جزيرة العرب هي:

1. الأكتف وأضلاع الإبل والغنم.

2. اللخاف: وهي الحجارة البيضاء الرقيقة.

3. العُسْب والكرانيف: وهي أكثر انتشاراً واستعمالاً نظراً لتوافرها وسهولة الحصول عليها، والعُسْب جمع عسيب وهي السعفة من النخل أو جريدة النخل إذا يبست وجف خوصها. والكرانيف جمع كرنافة وهي أصل السعفة الغليظ الملتصق بجذع النخلة.

4. الأديم والقضيم والرق والقرطاس: كلها أنواع من الجلود فالأديم هو الجلد الأحمر أو المدبوغ، والقضيم هو الجلد الأبيض الذي يكتب فيه، أما الرق فهو ما يرق من الجلد ليكتب عليه، فالقرطاس أيضاً من الرقوق.

5. المهارق: وهي الصحف البيضاء من القماش مفردها مهرق، وهو لفظ فارسي معرب وهو ثوب أبيض يسقى الصمغ ويصقل ثم يكتب فيه "وفق تعريف ابن منظور له".

6. القياطي: تعرف العرب على القياطي عندما فتحوا مصر. والقياطي تندرج تحت المهارق على أنها نوع من النسيج لكنها كانت تنفرد بسماتها وخصائصها.

7. الورق: ظل البردي والقياطي مسيطراً على مكاتبات الدولة الإسلامية حتى الانقلاب الأهم في تاريخ الكتابة في عهد هارون الرشيد، حيث ظهر الورق كمنافس جديد وقوي للبردي والقياطي، وذلك بعد فتح العرب لمدينة سمرقند بقيادة زياد بن صالح الحارثي واحتكاك العرب بالصينيين الذين تم أسر عشرين ألف منهم، وكان من بينهم من يعرف صناعة الورق وعلى عاتق هؤلاء الأسرى قامت صناعة الورق في سمرقند ولم تلبث أن انتقلت إلى العالم العربي، حيث أقام الفضل بن يحيى البرمكي وزير الرشيد مصنعاً للورق في بغداد وأقر أخوه جعفر البرمكي استخدام الورق في الدواوين عوضاً عن الرقوق ثم سرعان ما أقيم مصانع للورق في الشام وفلسطين وغيرها من البلاد العربية.

وكان لفظ الكاغد الذي أطلقه العرب أول الأمر على الورق وهو لفظ صيني الأصل قددخل معجمنا اللغوي عن طريق اللغة الفارسية.

مع ملاحظة أن ظهور الورق لم يلغ المواد الأخرى المتداولة مباشرة، بل ظلت مستخدمة ولو بشكل بسيط لأنها أكثر صموداً لعوامل البيئة والأخطار وأكثر تحملاً من الورق. حيث كان لهذا الاستخدام دور حضاري كبير وهام جداً.

أدوات الكتابة:

استخدم العرب أدوات بسيطة الصنع للكتابة على المواد التي أوجدوها. وهي أيضاً مأخوذة من البيئة الطبيعية لأماكن إقامتهم.

1. القلم: كانوا يصنعونه من القصب أو ريش الطيور.

2. الحبر أو "المداد": كانوا يصنعونه من مسحوق الفحم أو الهباب مذاباً في سائل لزج كالصمغ.

3. الدواة: وهي التي يوضع فيها المداد أو الحبر، وكانت تصنع من الخشب أو الزجاج وأحياناً من مواد حديدية أو فضية أو ذهبية.

4. الليقة: وهي قطعة من قماش أو قطن توضع في دواة الحبر وتنظم سحب الحبر من الدواة.

? مراحل الانتقال إلى الكتابة:


لقد مرت الحضارات الإنسانية بعدة مراحل حتى ظهور الطباعة. فقد مرت الكتابة بمراحل حضارية متنوعة صقلت نتيجة الاحتكاك والحوار الحضاري الذي بدأت ملامحه عن طريق التجارة أو عن طريق الحروب. فقد بدأ الإنسان في بداية الكتابة باختراع الصور أو التصوير، حيث كان يصور الأشياء على ما هي عليه دون زيادة أو نقصان، وبعد ذلك ونتيجة لمعاناته في رسم هذه الأشياء التي كانت تأخذ وقتاً وجهداً عظيمين لإنجاز ما يريد التعبير عنه بدأ باختصار هذه الصور إلى صور أصغر منها وإلى رموز محددة حيث نشأ شكل سريع وسهل من أشكال الكتابة استخدم في الكتابات العادية سمي بالهيروغليفية، حيث استخدم طرازين من الكتابة استخدم أحدهما في كتابة النقوش المقدسة على الآثار، وكان الكهنة وكتبة الهياكل هم أول من نسخ الكتابة الهيروغليفية، وأطلق اليونان عليها اسم الكتابة الهيراطية (المقدسة)، ولكن سرعان ما استخدمت في الوثائق العامة والتجارية والخصوصية. أما النوع أو الطراز الثاني فقد نشأ على يد الشعب. سمي "بالديموطيقية" "الشعبية" وظهرت الكتابة المسمارية في بلاد ما بين النهرين التي كانت تستخدم حروفاً خاصة أشبه بالمسامير، وفي هذه الفترة لم تكن توجد أبجدية يعتمد عليها.

ظهور أول أبجدية:

كان للاحتكاك التجاري الكبير وتطور رموز الكتابة أثر كبير أدى إلى ظهور أبجدية حقيقية مكتشفة في رأس شمرا غيرت مجرى الكتابة بأن طورتها وجعلتها سريعة وتلبي احتياجاتها. وهذه الأبجدية مؤلفة من أربعة وعشرين حرفاً. أما الحروف الهجائية للكتابة الهيروغليفية فكان أول ظهورها في النقوش التي خلفها المصريون القدماء في مناجم سيناء، يرجعها المؤرخون إلى عام 2500 ق.م وبعضهم إلى عام 1500 ق.م.

وما يهمنا هنا أنه لولا الاحتكاك الحضاري بين الشعوب والأمم لما تطورت الحضارة الإنسانية بهذا الشكل المتدرج الذي أثر على نواحي الحياة كلها وكانت الوثائق المستخدمة في هذه العصور والحضارات العنصر الأساس في هذا الاحتكاك والتطور الحاصل.

أثر الحوار الحضاري في تطوير أشكال الوثائق ومهنة العاملين في هذا المجال:

لقد أدى الاحتكاك الحضاري دوراً هاماً وفاعلاً في تطوير أشكال الوثائق. حيث ذكرنا سابقاً في بحثنا عن أشكال الوثائق أو أدوات الكتابة أن الوثائق كانت من "الرقم الطينية- والبردي وغيرها" وحين احتك العرب مع الصينيين تم انتقال الورق من الصين إلى الوطن العربي الذي نقل وسيلة حفظ المعلومات إلى العالم أجمع. وكان لاختراع غوتنبرغ أدوات الطباعة فضل كبير في اتساع حلقة المعرفة الإنسانية والتي أعطت مجالاً واسعاً لانتشارها بين مختلف الطبقات وظهور طبقة اجتماعية سميت بالوراقين، وظهر منهم أدباء وفلاسفة ومؤرخون تشهد لهم الحضارات جميعها، وأخيراً ظهور أدوات حديثة لحفظ المعلومات مثل أجهزة الميكروفيلم وأشرطة الحواسيب على اختلاف أنواعها والتي الآن تؤدي دوراً كبيراً وعظيماً في حوار الحضارات دون شروط أو قيود، وهذا بدوره أدى إلى ظهور مجتمع المعلومات أيضاً.

خصائص الوثائق العربية التي أدت دوراً في حوار الحضارات:

1. الموضوعية في معالجة مختلف القضايا.
2.
الاختصار والإيجاز في طرح المشكلات.
3.
وليدة البيئة الطبيعية التي عاشها إنساننا العربي، فالرقم الطينية مصنوعة من الطين والبرديات مصنوعة من ساق البردي الموجودة بكثرة في وادي النيل، وكذلك كتب على الرقوق وأوراق النخيل وكرانيفها وعلى العظام والحجارة وكذلك جلود الحيوانات.
4.
تميزت بالتنوع في أشكالها.
5.
التدرج في استبدال كل شكل من أشكال الوثائق وليس دفعة واحدة.
6.
الانتقال الحر للوثائق بين الشعوب.
7.
الوثائق العربية كانت متاحة للجميع بينما في حضارات النيل وسومر كانت مقتصرة على فئة معينة من الشعب، وكذلك في الحضارات الأخرى أيضاً.
8.
الروعة والدقة في التصنيع والكتابة.
9.
الوثائق العربية ناقلة ومطورة للحضارات الأخرى.
10.
الصدق والأمانة في عمليات النقل والترجمة.
11.
المخزون الوثائقي الكبير الذي خلفته الحضارة العربية.
12.
توزع المخزون الوثائقي الكبير في أنحاء متفرقة في العالم.
13.
التنوع في فروع المعرفة.
14.
ظهور تصانيف حقيقية للعلوم والوثائق.
15.
العناية الكبيرة بالوثائق في الحضارة القديمة، حيث كانت تحفظ الوثائق المكتوبة على ورق البردي بجرار فخارية وكذلك الرقم الطينية وكذلك الرقوق والمهارق التي كانت تحفظ في طوامير معدنية أو خشبية أو جلدية في العصر الساطع للحضارة العربية.
16.
وجود أماكن مخصصة لهذه الوثائق (أراشيف) مثل أرشيف /آشور بنيبال مملكة ماري- ايبلا/.
17.
البدايات الأولى لكل أشكال وأنواع الوثائق بدأت من المنطقة العربية وانتشرت إلى أنحاء العالم.
18.
مقاومة هذه الوثائق للأحوال البيئية، حيث إن الرقم الطينية المكتشفة في بلاد الشام قاومت الرطوبة، أما البرديات في مصر فقد قاومت الجو الجاف في مصر.
19.
الندرة لمثل هذه الوثائق، حيث إنها كانت تكتب باليد.

خاتمة:
من خلال هذا العرض السريع لدور الوثيقة العربية في حوار الحضارات لمسنا الأهمية العظيمة للوثائق العربية وغيرها من الوثائق التي كانت المحك والناقل الرسمي للحضارات وتفاعلها، كما لاحظنا تأثير الحوار والاحتكاك الحضاري في تطوير وسائل الاتصال والمعرفة الإنسانية ككل. ودون الوثائق لا نعرف شيئاً عن هذه الحضارات التي مرت بها الإنسانية لأن الوثائق ذاكرة حقيقية لكل الحضارات، فما الوثائق العظيمة التي خلفها لنا أسلافنا إلا دليل حي وباق على عظمة الحضارات القديمة وسر ديمومة الإنسانية وتطورها الخلاق فهي الوسيلة الشرعية لتوصيل المادة الفكرية لكل هذه الحضارات، فالحضارة إذاً هي جملة من تراكمات للمعرفة الإنسانية وهذه المعرفة سطرت ودونت في وثائق تناقلتها الأجيال جيلاً بعد آخر، فمن خلالها تم تبادل وحوار راق للحضارات بين بعضها على الرغم من وجود صدامات حضارية حقيقية.
فمن هنا نستنتج بأن الشعوب والأمم التي تولي وثائقها وتراثها الإنساني أهمية كبيرة هي أمة موجودة وفاعلة في بناء الحضارة على اختلاف مراحلها لأن الوثائق زاد حقيقي للشعوب تعود إليه تستشف ما فيه من قيم وأخلاق لتغذي أبناءها، فالأمة بلا وثائق أمة بلا هوية بلا انتماء.

قائمة المصادر والمراجع
1. ديورانت، ول/ قصة الحضارة: نشأة الحضارة الشرق الأدنى.
2.
ترجمة زكي محمود- القاهرة- جامعة الدول العربية 1971 ج1.
3.
تاريخ التمدن الإسلامي/ جرجي زيدان ج21 ص250 و251.
4.
الخط العربي وأدوات الكتابة/ مجاهد الجندي 1993 ص97- 17.

............................................................

أحمد المحمد

من مواليد دمشق 1935، يحمل إجازة في الفنون الجميلة من جامعة القاهرة عام 1962 ودكتوراه في علوم الفن من الأكاديمية الملكية في لندن عام 1996، ويعمل حالياً فناناً تشكيلياً.

يعمل مستشاراً في مركز المعلومات القومي، أصدر مجلداً موسوعياً 1990- 2000.
 
وشارك في الكثير من الندوات في حقول المكتبات والتوثيق والمعلومات.







هذه الموضوع من موقع شبكة التربية الإسلامية الشاملة - موقع الجذوع المشتركة -
http://jid3.medharweb.net

عنوان الرابط لهذه الموضوع:
http://jid3.medharweb.net/modules.php?name=News&file=article&sid=201