عالمية الإسلام والعولمة العلمية
التاريخ: 20-11-1426 هـ
تصنيف المواضيع: خصائص للإسلام العالمية التوازن الاعتدال




عالمية الإسلام والعولمة العلمية

 

د. عبدالوهاب بن سعيد القحطاني

    الإسلام دين العلم والمعرفة والشمولية للناس جميعاً، فهو دين لكل الأجناس البشرية ما يعني أنه دين عالمي. ومن يعتقد خلاف ذلك فهو لا يعرف ما يعنيه الإسلام من وحدة كونية وتآلف بين الأمم بما فيه الخير والسلام الذي يحقق للبشرية الأمن والاستقرار. وتشير الآيات القرآنية إلى أن الله خلق البشر مختلفين للتعارف والتعاون في شتى أوجه الخير، وليس للصراعات والظلم والاستبداد والاستعباد والحروب الطاحنة.

 

وديننا الإسلامي الحنيف ليس دين انغلاق فكري واستبداد وهيمنة لرأي على آخر، بل تعد الشورى من مقوماته لإبداء النصيحة وتبادل الرأي حول شؤوننا العديدة في مختلف جوانب الحياة. وما دمنا نؤمن بأن ديننا الإسلامي الحنيف دين حرية الرأي فإننا مطالبون بالتسلح بالعلم والمعرفة لفهم ما يدور حولنا وللتحاور بالطرق الصحيحة، وتغيير الأحداث والظواهر إلى ما يخدم عالمنا الواسع، وتوسيع مداركنا لفهم هذا الكون العظيم بكل ما يحويه من مخلوقات حية وأشياء وأحداث وكل ما يؤثر فينا ويتأثر بنا. والعلم الذي ينفع البشرية هو العلم الذي أوصى به الله سبحانه وتعالى. والأمر الذي لا جدل فيه هو أن المنفعة من العلم تعتمد على كفاءة المعلم والوسائل الذي يوصل بها علمه إلى المهتمين به.

 

وليس للعلم النافع حدود من حيث النوع والمحتوى أو من حيث مصادره الجغرافية، ولنا فيما قاله الرسول الكريم الدرس والعبرة عندما قال "اطلبوا العلم من المهد إلى اللحد"، وجاء في الأثر (اطلبوا العلم لو كان في الصين) ما يدل على أن العلم الذي أوصى به عليه الصلاة والسلام لا يقتصر على العلوم الدينية فحسب، بل يشمل العلوم الدنيوية التي تعود علينا بالفائدة والخير. فالصين مثلاً ليست دولة إسلامية تقصد لطلب العلوم الدينية، ناهيك عن بعدها آنذاك لأن المواصلات كانت صعبة، لكنه صلى الله عليه وسلم قصد بذلك عظمة العلم الدنيوي وفائدته ما يجعل المسافات سهلة تطوى لنيله.

 

الشخصية القويمة لا تتشكل إلا بالدين والعلم والفضائل التي أوصانا الله بتطبيقها في حياتنا لنفوز بالدرجات العليا في الآخرة. والعلماء المؤمنون يخافون الله كثيراً لأنهم يعرفون الكثير عن هذا الكون الذي خلقه الله في أيام معدودة، ولو شاء لخلقه في غمضة عين، وذلك لأنه سبحانه يريدنا أن ندرك شيئاً عظيماً وراء خلقه للكون في ستة أيام واستوائه على العرش في اليوم السابع. والعلم الذي يربط الإنسان بالقيم هو العلم الذي يفيد البشر ويزيد من تقاربهم، لذا يرى طالب العلم أن التكنولوجيا الحديثة وسيلة لتعميم هذه القيم النبيلة بين الأمم.

 

ولا يقتصر تعليم الأخلاق على العلوم الدينية فحسب، بل يشمل العلوم الأخرى مثل علم النفس وعلم الاجتماع وعلم أخلاقيات العمل وغيرها من العلوم الإنسانية، وذلك حتى لا تتحول حياتنا إلى واعظين من غير تركيز على الجانب الدنيوي الذي يزيد من قوتنا الاقتصادية ما يجعل العالم يحترمنا. وقد يجادل البعض منا في قضية العلم والفضيلة والقيم الأخلاقية على أنها غير مرتبطة ببعضها، وهذا بلا شك مغالطة كبيرة لأننا نحاول الفصل بين عناصر متكاملة، فطالب العلم الذي لا يحترم القيم قد يسير علمه في الاتجاه والغايات الخاطئة بعيداً عن الفضائل وما نعتقد بأنه الصواب.

 

ومن الطبيعي ألا نسبح ضد التيار في ما يتعلق بالعولمة لأن ديننا ونبينا عليه الصلاة والسلام وصحابته رضوان الله عليهم عرفوا العولمة سواء العلمية أو الاقتصادية أو السياسية منذ ظهور الإسلام، حيث نجد قبور الصحابة في بلاد بعيدة عن البلاد التي ولدوا فيها ما يعني الانتشار من أجل نشر العلم والفضيلة والقيم الحميدة. وبما أننا أضعف من ذي قبل في مختلف نواحي الحياة فإن العولمة تلقي بظلالها علينا لصالح الأمم القوية علمياً واقتصادياً وسياسياً وعسكرياً. من هذا المنطق والمنطلق يجب علينا أن نعيد حساباتنا وأن نجعل العلم سلاحنا ومصدر قوتنا، وذلك بتعليم شبابنا القيم والفضيلة والعلوم الشرعية والتكنولوجيا والعلوم التطبيقية بتوازن لتساعد على نهوضنا إلى مصاف الأمم المتقدمة.

 

والاعتقاد الشائع الخاطئ بأن العولمة ظاهرة غربية جديدة يزيد من مقاومتنا لها على اعتقاد أنها تحمل أهدافاً خفية تضرنا، لذا يجب أن نعلم أنها مفهوم قديم من خلال المسلمين الأوائل الذين وصلوا الصين وغرب أوروبا سواء لنشر الإسلام أو للعلم والمعرفة أو للتجارة. العولمة مفهوم قديم يفعلها الغربيون في عصرنا هذا لزيادة حصيلتهم الاقتصادية في الدول النامية والفقيرة التي كان بعضها يمارس العولمة ذاتها قبل بروز الحضارة الغربية بهذه القوة. والحقيقة التي يجب أن نعلمها هو أن أخلاقنا وقيمنا تتلاشى تدريجياً لأننا ركزنا على تعلم الجانب المادي من الحضارة الغربية، بل أصبحت الحياة المادية المعيار الوحيد الذي يقيس تقدمنا. ويعزف الشباب عن العلم والمعرفة لأنهم لا يرغبون في البحث والاستقصاء ما يجعلنا أمة استهلاكية لا تستطيع منافسة الأمم الأخرى من حيث التصنيع الإنتاجي الذي يعتمد بشكل أساسي على العلم والمعرفة والبحث والتطوير.

 

وإذا رغبنا في المزيد من العلم والمعرفة فإنه يجب علينا الانفتاح الإيجابي تجاه العالم للتزود بهما ما يعني قبول العولمة العلمية عندما نسعى في مناكب الأرض إلى الجامعات والمعاهد المتخصصة المنتشرة حول العالم. والكثير منا يتكهرب عندما يسمع كلمة عولمة، حيث بالغ البعض منا وربطها بالعلمانية والتنصير والكفر والانحلال الأخلاقي وغيرها من السلوكيات السلبية ما يجعل من الصعوبة بمكان تقبل البعض منا للعولمة العلمية وما لها من الفوائد والإيجابيات الكبيرة







هذه الموضوع من موقع شبكة التربية الإسلامية الشاملة - موقع الجذوع المشتركة -
http://jid3.medharweb.net

عنوان الرابط لهذه الموضوع:
http://jid3.medharweb.net/modules.php?name=News&file=article&sid=238