الوسطية الإسلامية منهج اجتماعي
التاريخ: 27-11-1426 هـ
تصنيف المواضيع: خصائص للإسلام العالمية التوازن الاعتدال




الوسطية الإسلامية منهج اجتماعي

 

ففي العصر الحديث تعرض العالم الإسلامي للاحتلال الدائم والغزو الشامل من المستعمرين الغربيين ، فبالرغم من أن كثيراً من بلدان العالم الإسلامي قد تخلصت من الاستعمار وحققت الاستقلال ، غير أنهم في الحقيقة خرجوا من باب ودخلوا في باب آخر من أبواب الاستعمار التي دبرتها أعداء الإسلام ، وقد فرضت عليهم الدول الغربية القوة العسكرية والوكالة السياسية والهيمنة الاقتصادية ، الأمر الذي جعل العالم الإسلامي دائما تحت أزمات ومشكلات داخلية وخارجية ، وتدهورت الأوضاع وفقد التوازن في السياسة والاقتصاد والاجتماع والثقافة ، وتعد حقا هذه الفترة من الزمن في التاريخ الإسلامي تاريخ الهوان والذل والمقاومة ، وتحت مثل هذه الظروف الصعبة القاسية لم تستطع وسطية الإسلام أن تبرز خاصيتها ، بل تكاد تفقد صورتها أمام تحديات التيارات والأفكار المناقضة ، ومنها التطرف .

وفي أواخر القرن العشرين ، خصوصا بعد الحرب الباردة بذل العالم الغربي جهودا لدعاية ونشر فكرة إرهابية أو تهديدية الإسلام وفكرة صدام أو صراع الحضارات ، وقد فرض القطب الأوحد هيمنته السياسية على العالم الإسلامي، وظهرت أشكال مختلفة من التطرف وصور متنوعة من الإرهاب ، وتمركزت الحروب والنـزاعات والصراعات كلها في الشرق الأوسط ، وأمام تحديات العولمة من كل الجهات ، تحت هذه الظروف القاسية يعيش العالم الإسلامي تحت أجواء مظلمة ومحزنة . فمن الناس من يعتزل أمام التحديات ، ومنهم من خرج ليواجه التحديات ، وفي أثناء ذلك أبرزت الوسطية الإسلامية خصيصتها المتفردة لمواجهة تطور الأحداث والأوضاع بشكل إيجابي ، وكثير من البلدان الإسلامية والمفكرين والعلماء والقادة من مختلف القطاعات ينادون بوسطية الإسلام وضرورتها (مجلة العالم العربي باللغة الصينية ، العدد ۸٤ ، مركز دراسات الشرق الأوسط بجامعة اللغات الأجنبية – شانغهاى .).

وبعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر قد أحس العالم الإسلامي بحاجة ملحة إلى أهمية دعوة السلام والوسطية وضرورتها التي يدعو الإسلام إلى تحقيقها ونشرها بين الناس بالطريق الصحيح ، واتضحت جليا واقعية الوسطية الإسلامية لمواجهة مجريات الأحداث مما جعل الوسطية الإسلامية من الأساليب الضرورية لحماية الهوية الإسلامية ومواجهة تحديات العصر في الوقت نفسه ، لأنها بديل في حل المشكلات العويصة ، وسطية تشمل الشريعة والمجتمع والسياسة والاقتصاد والثقافة والتربية .

وسطية تدعو إلى الالتزام بالمبادئ لا تفريط ولا إفراط .

وسطية تدعو إلى نبذ التطرف بكل أشكاله والتمسك بالقيم الأخلاقية والجمالية .

وسطية تدعو إلى الوحدة والائتلاف وتكوين أمة وسط بغض النظر عن اختلاف الألوان والألسنة وبعد المسافات بهدف سامٍ موحد مشترك .

وسطية تقوم على توحيد الله سبحانه وتعالى في ربوبيته وألوهيته وأسمائه وصفاته ، وأي انحراف أو غلو هو من باب التطرف .

وسطية تقوم على المنهج الإلهي ، والجمع بين المادة والروح ، والقضاء والقدر ، والدنيا والآخرة ، والإنسانية والعلوم ، والفرد والجماعة ، والأسرة والمجتمع ، والحقوق والمسؤولية ، والتوازن فيما بينها بلا إفراط ولا تفريط ، ولا ترجيح جانب من الجوانب دون الآخر. وأما العزلة والانفراد أو الانهماك في ملذات الدنيا واتباع الهوى فكل ذلك من التطرف .

وسطية تدعو إلى التيسير في أمور الدين ، وإلى التسامح والرفق ، وتحارب التطرف والتشدد بجميع صوره ، وترى الجهل بمبادئ الإسلام وتأويل النصوص بالهوى والاستبداد بالرأي والابتداع والعصبية وسوء الظن بالآخرين والحسد والحقد كلها خروجا وانحرافا عن وسطية الإسلام ، وذاك هو التطرف بعينه .

وسطية تنبه الناس أنها ليست تحارب التطرف الديني فحسب ، بل تحارب أيضا التطرف في الأفكار والأمور الأخرى لأن مثل هذا النوع من التطرف قد أحدث كثيراً من المشكلات السياسية والاجتماعية والاقتصادية في العالم الإسلامي ، فعلى سبيل المثال : التغريب هو النوع المثالي من أشكال التطرف ، فكثير من الغربيين أو من دعاة التغريب يعدون مقاومة الثقافات الخليعة وأساليب الحياة الساقطة في العالم الإسلامي انتهاكا بحقوق الإنسان وتدخلا في حرية الآخرين ، وهذه مؤامرة وكيد على الإسلام ، وفي الحقيقة هؤلاء هم المتطرفون أنفسهم ، وفعلهم هذا هو التطرف عينه .

وسطية تحارب الإرهاب بكل صوره وأشكاله والهيمنة وسياسة القوة ، وتؤكد الوسطية بأن أول ما يقدمه الإسلام للبشرية هو الأمن والسلام ، فأي حركة تمارس الإرهاب أو تناصره باسم الإسلام تخالف رسالة الإسلام من حيث المبدأ و الأساس ، فكل ما يؤذي أو يهدد أمن الناس وأموالهم وحرية عقيدتهم وكرامتهم ، سواء صدر ذلك من الفرد أو المنظمة أو الدولة كلها من التطرف والإرهاب ، وأن الوسطية الإسلامية تحارب الإرهاب والتطرف بأشكاله وصوره ، وتحارب ما تمارسه السلطة الصهيونية تجاه الشعب الفلسطيني من أعمال العنف والإرهاب ، وتدعو الوسطية الإسلامية إلى إزاحة الإرهاب من مظاهره وأسبابه وجذوره من مصدره .

وإن لظهور مظاهر التطرف والإرهاب في العالم الإسلامي أسبابا وعوامل سياسية واقتصادية واجتماعية دولية معقدة . فإزاحة الإرهاب من جذوره استئصاليا تقتضي وجوبا أوليا إزالة مصادر تلك الأسباب والعوامل من الوجود ، ومن مصادر تلك الأسباب والعوامل عدم حل قضية فلسطين بصورة سلمية عادلة ، واحتلال إسرائيل أراضي فلسطين ، وما فعله الصهاينة في حق شعب فلسطين الأبرياء من أعمال العنف والعنجهية من قتل وإبادة ، وفرض الحكومة الأمريكية هيمنتها وسياسة القوة على الدول العربية والإسلامية(الفقه الإسلامي المعاصر (اللغة الصينية )الطبعة الأولى 2002م  وو يونغ قوي ، ص 406 . أكاد يمية العلوم الاجتماعية – الصين .).

وعجزو كثير من حكومات الدول الإسلامية ، واضطرابات المجتمع الدائمة ، وفقدان العدالة في التقسيم ، وسعة الفرق بين الأغنياء والفقراء إلخ .

وسطية تؤكد أن هناك اشكالا متنوعة من الإرهاب والعنف والتطرف باسم الدين ، وصورا أخرى من الإرهاب تمارسها أصحابها بحجة كاذبة باسم حماية حقوق الإنسان أو الدفاع عن حرية الديمقراطية ، وتنبه الوسطية الإسلامية وتحارب جميع الأعمال الإرهابية التي تمارسها الدولة أو الهيئة العسكرية تحت هتافات رنانة كاذبة خادعة من انتهاك حقوق الإنسان وإهانة كرامتهم وقتل الأبرياء ، وإن الهيمنة وسياسة القوة إن لم تكن من صور الإرهاب فإنها من مصادر وأسباب حدوث الإرهاب على الأقل ، لذلك يجب علينا أن نحارب الهيمنة وسياسة القوة في الوقت نفسه .

وسطية تدعو إلى إقامة النظم الاجتماعية العادلة المتوازنة والشورى والعدالة الاجتماعية ، ومحاربة الاستبداد ، وترى الوسطية أن المفهوم الأساس للوسطية الإسلامية والتوازن هو تحقيق المساواة والعدالة ، فلا وسطية ولا توازن إلا بالعدالة

يقول الله سبحانه وتعالى في القرآن الكريم (( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُونُواْ قَوَّامِينَ لِلّهِ شُهَدَاء بِالْقِسْطِ وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُواْ اعْدِلُواْ هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُواْ اللّهَ إِنَّ اللّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ  (8) ))  المائدة

ويقول تعالى : (( إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاء ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاء وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ  (90) ))  النحل

 ويقول تعالى : (( وَالسَّمَاء رَفَعَهَا وَوَضَعَ الْمِيزَانَ   (7) أَلَّا تَطْغَوْا فِي الْمِيزَانِ  (8)  وَأَقِيمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ وَلَا تُخْسِرُوا الْمِيزَانَ  (9) )) الرحمن   

وسطية تدعو إلى إصلاح المجتمع والتكافل والتضامن الإجتماعي والعدالة الاجتماعية واختيار طريق يتفق وواقعية الدول الإسلامية ، لا رأسمالية ولا اشتراكية بل طريقة إسلامية تؤكد ملكية الفرد ومصالح المجتمع ، وسطية وتوازنية بين الإنتاج والاستهلاك ، وتنمية الموارد وحماية البيئة ، والتطور المستمر . وتنادي بحكم البلاد وإدارة شؤون المجتمع على أساس الشورى ، وتحارب الاستبداد والفساد والاستغلال والظلم .

وسطية تدعو إلى الوحدة ونبذ الخلافات وإجراء حوار الحضارات وتقوية التبادل ، وتبين أن النزاعات الداخلية قد أضعفت بكثير قوة الأمة الإسلامية وعرقلت تطورها وتقدمها ، وإن تقوية الوحدة وتعزيز العلاقة أصبحت حاجة ماسة وواجبة للأمم ، وليس في استطاعة الأمة أن تجابه تحديات العصر والعولمة إلاّ بالاتحاد والتعاون ، فالوسطية الإسلامية تهدف إلى تنمية الوحدة والتعاون بين شعوب العالم الإسلامي انطلاقا من مبدأ " إنما المؤمنون إخوة " ، لإجراء الحوارات فيما بينهم لتقوية التعاون وتعزيز العلاقة بينها .

وسطية تدعـــو إلى إجراء الحوارات بين مختلــــف الحضارات لتقريـــب التفاهم والتعارف ، وتؤكد أهمية احترام الآخر ، والإشادة بحوار الحضارات من خصائص الحضـــارة الإسلامية التاريخية ، يقول الله تعالى في القرآن الكريم: (( يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ  (13) ))  الحجرات

ويدعو القرآن الكريم إلي إجراء الحوار مع أهل الكتاب ، يقول تعالى : (( قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْاْ إِلَى كَلَمَةٍ سَوَاء بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلاَّ نَعْبُدَ إِلاَّ اللّهَ وَلاَ نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلاَ يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضاً أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللّهِ فَإِن تَوَلَّوْاْ فَقُولُواْ اشْهَدُواْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ  (64)  ))  آل عمران

، ويقول تعالى : (( وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ وَقُولُوا آمَنَّا بِالَّذِي أُنزِلَ إِلَيْنَا وَأُنزِلَ إِلَيْكُمْ وَإِلَهُنَا وَإِلَهُكُمْ وَاحِدٌ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ  (46) )) العنكبوت

ويقول تعالى : (( ادْعُ إِلِى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ  (125) ))  النحل

وسطية تسعى إلى إيجاد جو مناسب لحوار الحضارات انطلاقا من مبدأ "الناس سواسية " وتحقيق الأمن والاستقرار بين شعوب ودول متعددة الأديان والتبادل الودي بينها ، وهذا هو المبدأ الأساس للتطور البشري والسلام العالمي الدائم ، وأن ما ادعاه صموئيل هنتجتون من صدام الحضارات وفرض الدول المركزية صورا من أنماط الحياة والممارسات والعقائد والإرادات وشروطها السياسية والاقتصادية والثقافية على دول الهامش كل ذلك من أعمال الإرهاب والإفساد في الأرض والجاهلية وتعطيل الأمن والسلام العالميين .

إعــداد صالح حبيب الله 







هذه الموضوع من موقع شبكة التربية الإسلامية الشاملة - موقع الجذوع المشتركة -
http://jid3.medharweb.net

عنوان الرابط لهذه الموضوع:
http://jid3.medharweb.net/modules.php?name=News&file=article&sid=248