التجديد تحولات المفهوم والخطاب
التاريخ: 16-1-1427 هـ
تصنيف المواضيع: خصائص للإسلام التجديد الانفتاح










التجديد: تحولات المفهوم والخطاب

"إن إحدى السمات الأساسية لخطاب التجديد هي زوال سحر الغرب وسحر الفقهاء"

الاستاذ/ سامر رشواني

مع بداية الاحتكاك العربي ـ الغربي الأول ومع تعرف الشعوب العربية والإسلامية على التقدم الغربي وما حققه هذا التقدم من إنجازات تكنولوجية وثقافية وعلمية هامة، بدأت هذه الشعوب تشعر بالتململ من واقعها الذي تعيشه وتحلم باللحاق بركب التطور والتقدم، لقد كان هذا التعرف في بدايته انطباعياً وشابه الكثير من العاطفة والحماس مما منع تكوّن وعي نقدي كانت تتطلبه تلك المرحلة للتعرف على عوامل التقدم الغربي وآلياته وحوامله الاجتماعية والسياسية والاقتصادية والعسكرية.

مهما يكن فإن هذا الاحتكاك ولّد شعوراً مبهماً في بدايته وواضحاً مع تطور الزمن بضرورة مراجعة المنظومة التقليدية القائمة والنظر في أسباب «تخلفنا» و«سرِّ» تقدمهم، هذه اللحظة التاريخية التي عاشها العرب والمسلمون خلّفت نظريات متعددة بل ومتنافرة اختلفت توجهاتها ورؤاها، إلا أن ما يجمعها كان سؤال التجديد، فالجميع إذاً كان يحاول ويصرُّ على المحاولة في إمكانية طرح سؤال التجديد وجعله راهناً وممكناً ومشروعاً، غير أنهم لم يكتفوا بصياغةٍ مبسطة من مثل (لماذا التجديد؟)، إذ إن سؤالاً يمثل هذا التبسيط لم يكن يعبر بدقةٍ عن هواجس وانفعالات من يطرحه، إذ أرادوا جميعاً طرح سؤالٍ أشبه بالمشروع أو السؤال ـ النظرية، الذي يُمكنهم من التقدم، لذلك توسلوا بأسئلةٍ أخرى لم يكن لفظ التجديد حاضراً فيها إلا أنها كانت تسير على ضفافه وتحاذيه وتنمو تحت ظلاله وتحت فيئه، لقد سألوا عن سبب تخلف المسلمين و«سرِّ» تقدم الأوروبيين، وتساءلوا عن المسألة الشرقية، باعتبار أن المجتمعات الشرقية جميعها تعيش أزمة تنموية واحدة، ونادَوا بالإصلاح ودَعَوا إلى التغيير، لكن كلُّ ذلك كان يصب في النهاية في مرجعيةٍ فكرية كانوا بحاجةٍ لها بوصفها ضرورة ملحة، إن هذه المرجعية تتحدد بالتراث العربي الإسلامي الذي خلفته الحضارة العربية الإسلامية على مدار قرونها الطوال والذي يشكّل البنية المعرفية التي تأسس عليها العقل العربي والإسلامي، لذلك كانت أولُّ الأسئلة الموجهة إلى هذا التراث هو قدرته نفسه على التجدد من داخله، وهل هو قادرٌ على الانسجام مع الظروف القائمة وما تستدعيه من إجاباتٍ تفتح على التقدم والتنمية والتطور والتغيير. 

التجديد: نشأة المفهوم والتحولات

فلقد بدأ مصطلح التجديد من النص النبوي فلم يغادر موضعه طوال التاريخ حتى هذا القرن، وهو النص الذي يقول فيه رسول الله عليه الصلاة والسلام: ((إن الله يبعث على رأس كل مئة سنة من يُجدد لهذه الأمة أمر دينها ، أو دينها.)) [أخرجه أبو داود بسند صحيح].

ولقد جاءَت تفسيرات هذا النص متقولبة في أشكال الردود على ((تحديات العصر))، التي ظهرت بدورها في صور مختلفة، وساعد في ذلك المرونة التي تتمتع بها كلمة ((التجديد)) على مستوى الدلالة اللغوية، وقابليتها للاحتواءات الدلالية المتعددة. وتنتهي هذه التفسيرات إلى إلباس ((التجديد)) معاني تجعله في صف مرادف لمصطلحات أخرى من قبيل: (الاجتهاد، إحياء الدين، إتباع السنة..) ، مما يعني أنه كانت هناك بدائل اصطلاحية أدت إلى تهميش مصطلح ((التجديد))، إلى درجة لم يتجاوز فيها شروحات النص النبوي! ، نظراً لسعة انتشار تلك المصطلحات البديلة وشدة حضورها. وبالتأكيد أن عبارة (التجديد) لم تكن لتذكر في التراث لولا ورودها في الحديث الشريف، ولا يعني ذلك أن التراث لا يستخدِم إلاّ ما جاء بالنص، ولكن هنا إنما يصدق بخصوص هذه الحالة للاعتبارات المتقدمة.

كانت إصلاحية محمد عبده بشكلها التوفيقي قد بدأت تتعرض -في بداية هذا القرن وعقب وفاة الإمام -لمأزق لم تخرج منه بعد ذلك! عندما دعا عدد من تلاميذ الإمام وبعض من تأثروا به إلى ((تغريب العقل المصري)) و((تبني العلمانية)) في أحضان الجامعة المصرية وعقب ثورة 1919 من أمثال قاسم أمين، وأحمد لطفي السيد، وسعد زغلول، وعرّف هذا الاتجاه بنفسه باسم ((التجديد))، هذا ((التجديد)) الذي بدأ على أساس ((الاحتفاظ بالعقيدة الإسلامية))، وانتهى إلى القطيعة مع الدين والتراث.

وهكذا بدأ المأزق ((ثقافياً)) منذ بداية تحلل توفيقية ((الإصلاحية))، مع قاسم أمين في كتاباته الجديدة عن المرأة، والتي بدا واضحاً فيها تغير المرجعيات التي كان يستند عليها، وبدأت الحالة السجالية تهيمن على المناخ الثقافي، فكتب رشيد رضا -الذي كان قدم بعض كتب قاسم أمين القديمة عن المرأة- (نداء إلى الجنس اللطيف) 1928(أنور أبو طه، الحداثة وأزمة مؤسسات التعليم الإسلامية، من خطاب التجديد الإسلامي. دمشق: دار الفكر، 2004. )

في محاولة لتعديل مواقفه السابقة. وكما تكشفت الدعوة ((التجديدية)) عن ميول باتجاه ((التغريب)) تكشفت ميول بعض الإصلاحيين الآخرين باتجاه السلفية التراثية، الأمر الذي أدى فيما بعد إلى حالة استقطاب أنهكت الساحة الثقافية بسجال مرّ تحول من الثقافي إلى الثقافي السياسي، فالسياسي في بداية الخمسينات مع ثورة الضباط الأحرار 1952.

وبقيت قلة متمسِّكة ((بالإصلاحية)) أو متأثّرة بها، وتمثل بشكل ما امتداداً لها، من أمثال مصطفى عبد الرازق، ومحمود المراغي، ومحمود شلتوت، ثم أحمد أمين، وعباس محمود العقاد، ومحمد عبد الله درّاز...

إذ كنا لا نستطيع أن نحدد بدقة اللحظة التي ولد فيها التجديد الإسلامي (المنضبط بالنص)، فإنه يمكننا مقاربته في الحقبة الزمنية الممتدة بين منتصف الخمسينات وأوائل الستينات (السيد، رضوان، سياسيات الإسلام المعاصر، ص164-165  )

حيث شهدت تلك الحقبة ظهور كتاب إقبال (تجديد التفكير الديني) الذي ترجمه عباس محمود عام 1955، وكتاب (المجددون في الإسلام - من القرن الأول إلى الرابع عشر) في العام نفسه لعبد المتعال الصعيدي، ودعا إقبال في كتابه العالم الإسلامي ليقدم ((في شجاعة على إتمام التجديد الذي ينتظره)) ، أما الصعيدي فقد حاول إثبات أن الإسلام ((يتسع للتجديد)) ، وذهب يبحث في شرعنته من القرآن والسنة، ليخلص أخيراً للدعوة إلى الإيمان ((بالمجدد المنتظر))!.

وربما يؤكد ما نذهب إليه في هذه المقاربة الزمنية، أن الصعيدي نفسه كان قد أصدر كتابه (تاريخ الإصلاح في الأزهر) في أوائل الخمسينات، والذي يعتمد فيه على مصطلح ((الإصلاح)) بشكل كلي، ودعا فيه إلى ((المصلح الثائر))، ولم يستعمل مصطلح ((التجديد)) إلاّ مـن بعيد، حتى إذا كتب (المجددون في الإسلام...) كان المصطلح الأساسي هو ((التجديد))، والذي استخدمه كمرادف أو بديل ((للإصلاح)).

وربما كانت أجواء تلك الفترة سانحة لتقبل المصطلح خصوصاً بعدما ساءت سمعة ((الإصلاحية))، بسبب تفريخها ((للتغريبيين))، وهكذا لم تعد تتمتع بتلك الرمزية المعبرة عن روح النهضة والتغير الإسلامي. ومن ثمَّ فقد كان طلاق الإصلاحية غير قابل للعودة حيث بدت بمظهر الاستلاب للغرب، وبذلك أخذ شعار الإصلاح ينزوي إلى الظل.

التجديد: مفهوما

إذن فقد كان التجديد وريثا الإصلاح وامتداداً له، وكما أن مفهوم ((الإصلاح)) لم يعن أكثر من التغيير الفكري بغرض النهوض، فإن ((التجديد)) أيضاً لم يكن حين بدأ أكثر من ذلك.

أما وسائل التغيير وموضوعاته وأدواته فذلك أمرٌ بقي رهيناً لتفسيرات الأزمة نفسها، وهكذا يوجد مع كل تفسير مفهوم خاص ((للتجديد))، ومن هنا أصبح مفهوم ((التجديد)) غائماً، محدود الفاعلية في الخطاب الإسلامي خصوصاُ مع وجود تعبيرات بديلة أكثر وضوحاً.

مع بروز ((التجديد)) كشعار جديد للتغيير في الفكر الإسلامي تنافس أصحاب الاتجاهات المختلفة فيه، انطلاقاً من الحالة (السجالية) الدائرة بين من يتبنى ((التقليد))، أو مقولات ((التراث)) بحذافيرها، وبين من يدعو ((للاجتهاد)) المفتوح...، وهكذا لم تخرج فهوم التقليديين للتجديد عن معانيه التراثية من إحياء الدين بتطبيقه وقمع البدعة وإحياء السنة.

ولا يشكل التجديد عند هؤلاء مفهوماً أساسياً في الخطاب، تماماً كما كان السلف، ولكن الذي دفعهم لتداوله بروزه كمصطلح فرض نفسه. لتصبح تأكيداتهم لتفسيرات السلف صورة من صور الدفاع عن النفس من خلال سحب المشروعية من الأطروحات الإسلامية الحديثة.

التجديد /الاجتهاد:

نزع فريق من المفكرين المسلمين إلى المطابقة بين مفهومي "الاجتهاد و"التجديد" ، إذ رأوا التجديد أنه لا يبعد في مفهومه العام عن مفهوم ((الاجتهاد)) حيث ((الاجتهاد تعقل واكتناه لحقائق هذا التشريع وأسراره))، أو((تفاعل بين عقل المسلمين وأحكام الدين الأزلية)).

تكشف هذه الرؤية ((للتجديد)) عن عجز نسبي في تلمس حقيقة المشكلة (الأزمة) ولهذا فالاجتهاد هنا هيولي مجاله كل شيء، ومن الواضح أن هذه المجموعة تنزع إلى تصوير الأزمة في الواقع أكثر منها في العقل المسلم، من هنا يمكن فهم أطروحة الترابي -مثلاً- في (تجديد أصول الفقه) على أنها تعبير عن هذا النزوع القانوني.

إن الدعوة للاجتهاد المفتوح قديمة أخذت ثورتها مع المدرسة الإصلاحية.. مما يعني في النتيجة أن المفهوم هنا لا يقدم جديداً حول موضوع التغيير، اللهم إلاّ الربط بين التجديد كمصطلح والاجتهاد كمضمون لإضفاء الشرعية عليه.

التجديد ومشكل المشروعية

لقد كانت "الحداثة" هي جواب التنويري/العلماني عن مشكلة الفوات التاريخي للمجتمعات العربية منذ نهاية القرن التاسع عشر، ولكن إذا كانت "الحداثة" هي جواب "التنوير" عن مشكلة الفوات، فإن "النهضة" هي جواب الإصلاحي الإسلامي. جواب الحداثة "يعني استبدال بنية ببنية أخرى، في حين أن "النهضة" تعني استيعاب التقدم من داخل الذاتية. من هنا ظهرت الحداثة وكأنها حلٌّ [إلغاء] للذاتية الإسلامية أو بنية بديلة عنها، في حين ظهرت النهضة كممكن من ممكنات هذه الذاتية". وهكذا كان القول بارتباط المجتمعات العربية بالغرب الثقافي والجغرافي والاندماج فيه آخر الصيحات الجريئة لـ "المتنور العلماني" والساذجة في آن، في حين كان بعث الأمة لذاتيتها وتجديدها من ركام الثقافة السكولاستيكية والحشوية المكرورة هو قول (الشيخ) في نموذجه الإصلاحي الإسلامي. ولكن الواقع أيضاً أنه بقدر ما كانت أفكار الإصلاحي الإسلامي (في مطلع القرن الماضي) تبدو وكأنها ممكن من الممكنات الذاتية، بقدر ما كانت في الحقيقة توفيقيةً تُبيء المفاهيم والأفكار الغربية بغير قصد، تلك التي كان المتنور يقدّمها بصيغتها الفجّة (المتفرنجة) فكلاهما ارتهن للحداثة الغربية، لقد كان ممكن الإصلاحي في الواقع هو ممكن التبيئة أكثر منه ممكن الذات، إنه يستبطن استسلاماً لا واعياً "للفوات والفجيعة التاريخيين" الذي قام لتجاوزه ذاتياً.

سيبقى الجدل مستمراً حول "الممكن الذاتي" و"المستحيل الذاتي"، مع "اهتراء" العمامة الإصلاحية وبروز "التجديد" على أنه الامتداد/ البديل في مبدأ الممكن الذاتي فحسب، والبديل في طبيعة التفكير، وتفهم الذات، إذ أخذت نبرة الممكن الذاتي بالتصاعد تحت شعارات الخصوصية، التأصيل، الوسطية.. الخ. وبقدر ما كان التجديدي "الوارث" يؤكد على الممكن الذاتي، بقدر ما كان يعكس هاجس "الهوية" في داخله، فمن الملفت للنظر أن يتلازم ذلك التصاعد في النبرة مع ضعف في سوية النتاج الفكري، فقد شهدنا عناوين مثل: "علم النفس الإسلامي"، "علم الاقتصاد الإسلامي"، "علم الاجتماع الإسلامي".. ولكنها جميعاً لم تكن إسلامية بقدر ما كانت غربية، فهي لا تزال تقوم بـ "تأصيل" جديد، أي بوضوح: توفيقية جديدة. لقد بدا البحث عن "الممكن الذاتي" من خلال تلك التجارب البائسة السطحية "مستحيلاً" لبعض الوقت...

في ذلك الوقت وجد السلفي نفسه قريباً من "التجديدي"، فقد أمنت له تلك التجربة الجديدة والسطحية نوعاً من استعادة الثقة بالذات، لكن فترة التصادق هذه، والتي لم تدم طويلاً، أخذت نهايتها في منتصف الثمانينيات بعد أن ولدت تياراً بارداً وسطحياً أيضاً، لا هو تراثي سلفي ولا هو تجديدي، لقد كان أشبه بالطحالب التي تعيش على سطح المياه الراكدة، وهو ما عرف بـ "تيار الوسطية" التصالحي ليس مع العصر، ولكن مع السلفية.

لقد شكل "الممكن الذاتي" المسلّمة المشتركة للخطاب الإسلامي بتلويناته المختلفة. كما أنه كان دوماً "مستحيلاً" ذاتياً بالنسبة للخطاب العلماني، الذي حاول منذ البداية تأكيد نفيه، وخاض صراعه الأيديولوجي/السياسي معه على هذا الأساس، ثم حاول "تفخيخه" بمحاولة "التجديد العلماني" منذ الثمانينيات، ثم لم يلبث أن هادنه بعد منتصف التسعينيات مهادنةً تشترط ضمناً (وصراحة أحياناً) باستعادة التنوير (بمفهوم عصر الأنوار) من خلال خطاب التجديد الإسلامي، وذلك اضطراراً منه بعد إفلاس الأيديويوجيا في العالم العربي وخصوصاً الماركسية، حيث يرى الحداثي في هذا الخطاب التجديدي "المستنير" انتصاراً للتاريخية، وليست التاريخية هنا سوى الحداثة. فالإسلام التجديدي/التنويري ليس إلاّ مُعبِّداً للطريق من داخل المنظومة الإسلامية إلى الحداثة، أو هو "توفيقية" متماسكة وضرورية لتبيئة مفاهيم الحداثة في الوعي الإسلامي. 

التجديد: الخطاب وتحولاته

يمكننا من خلال النظر في تحولات خطاب التجديد منذ منتصف القرن العشرين أن نقف على ثلاثة لحظات فكرية : انشغلت الأولى منها بتأكيد مشروعية التجديد والحاجة إليه، وانتقلت مع الثانية إلى صياغة مشروع التجديد، وذلك من خلال مفهوم الاجتهاد، وتمثلت اللحظة الثالثة بالوعي النقدي للذات والآخر، ومحاولة إعادة بناء المنظومة المعرفية الإسلامية.

في اللحظة الأولى كان خطاب التجديد مشغولاً بإثبات "المشروعية" التاريخية والمعرفية له، حتى مطلع السبعينيَّات، كما كان "ممكنه الذاتي" صورة شبيهة جداً ـ إن لم تكن مطابقة ـ بإصلاحية محمد عبده .

في هذا الجيل نشهد ظهور كتابات تأسيسية من مثل كتاب محمد إقبال :" تجديد الفكر الديني" ففيه يؤكد إقبال أن العالم الإسلامي «مزودٌ بتفكيرٍ عميق نفّاذ وتجارب جديدة ينبغي عليه أن يقدم في شجاعة على إتمام التجديد الذي ينتظره» غير أنه لا يخطو خطوةً أعمق من ذلك في طرح نوع التجديد المُراد أو آلياته، وإن فعل فبشيءٍ من الخجل، إذ أنه جعل هدفه التأكيد على أن الاجتهاد أي الحق الكامل في التشريع كما يسميه ممكنٌ نظرياً وقد سلّم أهل السنة بذلك، غير أنهم أنكروا دائماً تطبيقه العملي منذ أن وضعت المذاهب وذلك لأن الاجتهاد الكامل أحيط بشروطٍ يكاد يستحيل توافرها في فردٍ واحد، وهكذا بقي مبدأ الحركة في الإسلام وهو الاجتهاد كما يعتبره إقبال ساكناً.

إنه يرى أن التجديد ممكنٌ في الإسلام بل ومطلوبٌ وضروريٌ في بعض أصوله، إذ يبدي رأيه في الإجماع والقياس والحديث، وينتهي في مفهومه للتجديد ونقده للتقليد على أساس ما يعيشه الإنسان من حياة روحية تسمو به، إذ يرى «أن الجمود على القديم ضارٌ في الدين كما هو ضار في أية ناحية أخرى من نواحي النشاط الإنساني» لكن أبرز ما يقضي عليه التقليد هو «حرية الذات المبدعة، ويسد بذلك المنافذ الجديدة للإقدام الروحاني» فالدين في النهاية ليس إلا «سعيُ المرء سعياً مقصوداً للوصول إلى الغاية النهائية للقيم، فيمكنه بذلك أن يعيد تفسير قوى شخصيته الذاتية».

ومن الكتب التي تعبر عن هذه المرحلة الفكرية ما كتبه عبد المتعال الصعيدي في (المجددون في الإسلام) إذ أراد من خلال ذكره للمجددين منذ وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم إلى قرننا الحالي أن يثبت أن «الإسلام يتسع للتجديد في كل زمان».

وما يبدو مثيراً في طرح الصعيدي هو تأكيده على شمولية مفهوم الإصلاح، إذ إن تحققه كاملاً يفترض نجاحه شاملاً، هذا المفهوم الكلي للإصلاح يتطابق تقريباً مع ما طُرِحَ سابقاً لدى السيوطي وغيره من أن التجديد والمقصود به هنا الإصلاح، لا يتم إلا بتغيير الأحوال وتبدّل المعاش، أي هناك تأكيدٌ دائم على الجانب العملي لمفهوم التجديد ورفض أي تخصيصٍ له أو الأخذ بعين الاعتبار التكامل بين المجالات الاقتصادية والفكرية والاجتماعية والسياسية، وبالتالي يمكن اختصار التجديد هنا بمفهوم التقدم الحديث، فعند حصول التقدم أي النهضة الشاملة في كافة مجالات الحياة عندها يمكن اعتبار أن التجديد قد تم أو تحقق، وهذا ما يصرّح به الصعيدي في خاتمة كتابه عندما ينعي على المسلمين تمسكهم بفكرة المهدي المنتظر، ويطالبهم بأن يضعوا بدلاً عنها فكرة المجدِّد المنتظر.

إن إقبال والصعيدي وكذلك أمين الخولي في كتاب له بنفس عنوان كتاب الصعيدي قد حاولوا بأطروحاتهم تلك الإجابة عن سؤالٍ هدفه ربط تخلف المسلمين بالإسلام، فأعادوا صياغة السؤال معكوساً عندما اعتبروا أن المسلمين هم سبب تخلف الإسلام عندما لم يستطيعوا قراءته قراءةً تكشف ما فيه من تجديدٍ وقدرةٍ على النهوض بهم. 

في اللحظة الثانية بدأ خطاب التجديد يُؤسس من جديد للاجتهاد المفتوح لصناعة وصياغة هذا "الممكن الذاتي" الذي بدا لوهلة ـ مع نشوء "تيار الوسطية" الساذج ـ غير ممكنٍ، ونلحظ نزوعاً واضحاً إلى النظرة الابستمولوجية، فقد تمت الدعوة لتجديد "المناهج" الإسلامية في عملية الاجتهاد المفتوح كالدعوة لتجديد أصول الفقه، وأسلمة العلوم الاجتماعية، ورغم أنها تمثل خطوة مهمة، لكن الخطاب بقي منشغلاً بالتراث، ومسكوناً به ومحكوماً له ، وبقدر ما حاول هذا الجيل "شرعنة" التعامل مع الغرب بشكل صريح كان يرتد إلى التراث ويحتكم إليه، ومعه نشأ "تيار الوسطية" الذي كان سلفياً أكثر منه تجديدياً.

ويمكن التأريخ للحظة الثالثة مع تأسيس مجلة المسلم المعاصر 1976م، ثم الثورة الإيرانية الإسلامية 1979م، والذي لاحظ سلفية الجيل السابق وحاول التحرر منها في الأطروحتان المثيرتان "إسلامية المعرفة"و"العالمية الإسلامية الثانية"))، حيث عمّقت النظرة المنهجية وشُكِّلَ من خلالها نقداً متقدماً للأجيال السابقة من الخطابين الإصلاحي والتجديدي، ولكنها على كل حال لم تكن نفياً كمياً لهما، كما قامت على أساسها للمرة الأولى مؤسسة فكرية(المعهد العالمي للفكر الإسلامي) تجمع المفكرين الإسلاميين لصياغة "ورقة عمل" لتقييم المرحلة السابقة، وتأسيس جهود المستقبل.

قام هذا المعهد على أساس تشخيص الأزمة على أنها أزمة ((فشل المدرسة التقليدية التاريخية)) للفكر الإسلامي في تغير الواقع والتحكم به، وأن الأزمة إنما وجدت في ظل ((المنهج التاريخي التقليدي)) له،  كما تبدو تجليات الأزمة أيضاً في مظاهر الاستلاب للغرب، في فكر وثقافة ((النخبة)) ، وهو ما يتكشف عن ((أزمة المنهجية العلمية)). وهكذا فالتجديد هو من أجل ((الخروج عن الحلقة المفرغة من التقليد التاريخي، أو التقليد الدخيل الأجنبي)) ، وبالتالي يتلخص التجديد في عبارة ((إصلاح مناهج الفكر، وإسلامية المعرفة)) وهي العبارة التي صارت شعار المعهد لفترة طويلة.

1- أما إصلاح مناهج الفكر الإسلامي: فتهدف إلى (إعادة تشكيل العقل المسلم) ((من خلال ممارسة النقد والمراجعة للذات لتحديد موطن الخلل والإصابة وإدراك آليات التوليد فيها ثم التركيب الذي يحقق الأصالة الإسلامية والمعاصرة)) معاً ويمكّن((الأمة من الشهود الحضاري)). وهنا تصبح إعادة قراءة ((نص الوحي)) مسألة أساسية والعودة منها بأثر رجعي إلى قراءة التراث مرة أخرى. وبالطبع إن ذلك لا يتم إلا بالبحث عن مناهج جديدة.

2- وأما إسلامية المعرفة: فهي منهج يهدف للاستفادة من المعرفة الإنسانية، على أساس أنها إرث فكري إنساني مشترك بربطها بالإيمان، وضبطها بكليات الإسلام، أو قل (فلترتها) بالقيم الإسلامية، على أساس التفريق ((بين العلم من جهة، وبين منطلقاته، وهدفه، وقيمه، وحكمته من جهة أخرى)) ، وربما -أيضاً- ينطوي منهج ((إسلامية المعرفة)) على إنتاج المعرفة منضبطة بالقيم الإسلامية.

وهكذا بدأ خطاب التجديد الإسلامي يدخل تحولاً جديداً على خلفية انقضاء الصراع الأيديولوجي الماركسي، الذي استنزف الخطاب العربي والإسلامي في صراعه الصاخب، وعلى أعقاب قيام تجربة "إسلامية المعرفة"، وانطلاقةِ تجربة "التجديد العلماني" المثيرة منذ نهاية الثمانينيات بدأ الوعي التجديدي يقرأ ذاته مرة أخرى.

إذ سيشهد هذا الخطاب اعترافاً من نوع جديد بالغرب وحداثته اعترافاً يقوم على روح نقدية متقدمة، تحاول استيلاد "الممكن الذاتي" من رحم التفاعل العملي مع الغرب. لكن هذا الوعي الابستمولوجي بقدر ما فتح له إمكاناً جديداً وتمايزاً واضحاً؛ فتح له من الأسئلة الكبرى ما لم يستطع الإجابة عنها بعد.. فهل الانحياز إلى أسئلة منظومة ما هو انحياز إلى أجوبتها كما هو انحياز إلى موضوعاتها؟ هل يمكن معرفياً نقل أسئلة منظومة ما إلى منظومة معرفية مفارقة ومغايرة تماماً؟ هل يمكننا استخدام المنهجيات دون نهاياتها الفلسفية والمنطقية والمعرفية؟ وإلى أي مدى: هل يمكننا إقامة نموذج معرفي خاص بنا مستقلاً تماماً عن الغرب؟

إن التجديد ما زال "نظرية" لم تكتمل بعد، واكتمالها مرهون بحركة التاريخ، فهي تولد مع الزمن في اللحظة نفسها التي توَلدِّه.

 







هذه الموضوع من موقع شبكة التربية الإسلامية الشاملة - موقع الجذوع المشتركة -
http://jid3.medharweb.net

عنوان الرابط لهذه الموضوع:
http://jid3.medharweb.net/modules.php?name=News&file=article&sid=266