أثر الإلتزام بتعاليم الإسلام على الجريمة
التاريخ: 16-1-1427 هـ
تصنيف المواضيع: المجزوءة الثانية










   الالتزام بتعاليم الإسلام وقــــــاية وعلاج لتفشي الجريمة في المجتمع


بعد أن استعرضنا في الحلقة الماضية نتائج استبيان مجلة الفرقان عن الجريمة في وسائل الإعلام توجهنا ببعض الأسئلة والمحاور للإجابة عنها فيما يتعلق بهذه القضية المهمة وذلك مع ضيوفنا الكرام كل من : أ. د.بشير الرشيدي المستشار النفسي، ود.عبدالرحمن الجيران من قسم، ود. وليد الربيع من كلية الشريعة بجامعة الكويت لنقف على أبعاد تلك القضية، وانعكاساتها على المجتمع والتأصيل الشرعي لها.

المصلحة والمفسدة

-هل تؤيدون نشر أدق تفاصيل الجريمة في وسائل الإعلام؟

* د.الرشيدي: إن نشر الجريمة يشكل رادعاً لكل من تسول له نفسه الأمارة بالسوء لإيذاء الآخرين، كما أن هذا النشر يساهم في خلق الوعي العام بالجريمة، واتخاذ الناس الإجراءات الاحترازية ونبذ المجرمين، أما (أدق) التفاصيل الخاصة بالجريمة فالعبرة هنا ما إذا كانت هذه التفاصيل ذات فائدة بالمجتمع أم غير مفيدة، هناك تفاصيل دقيقة تفيد الجمهور وتتماشى مع المصلحة العامة، فما المانع من نشرها؟

وتقدير ذلك يتوقف على الكفاءة المهنية والإنسانية للصحافي.

إثارة ودوافع أخرى!

- ما الدافع - برأيكم- وراء اهتمام الصحف بالجريمة؟

* د.الرشيدي:أعتقد أن الدافع هو الرغبة في زيادة التوزيع وزيادة جذب المعلنين، فالصحف التي تهتم بالجرائم إنما تسعى إلى الإثارة بما يجعلها توزع أكثر، وبالتالي تجتذب الكثير من القراء والمعلنين، وإن كان هذا لا يمنع من أن الاهتمام بنشر الجريمة قد تكون له دوافع أخرى سياسية أو اجتماعية سواء كانت تستهدف تحقيق المصلحة العامة أم تناقض تلك المصلحة.

إشاعة الفاحشة!!

- ما خطورة نشر الفضائح وتفاصيل الجرائم على المجتمع لاسيما الشباب؟

* د.الجيران: نشر الفضائح وتفاصيل الجرائم لها آثار وخيمة على الفرد والمجتمع وآثارها السيئة على الفرد أن الله تعالى لا يعافيه من الخطيئة ومن وزرها لقوله عليه الصلاة والسلام: (كل أمتي معافى إلا المجاهرون؛ يبيت وقد ستره الله ثم يصبح يقول فعلت كذا وكذا البارحة). فهذا لا يعافيه الله تعالى بما فعله لما فيه من الفضيحة والاستخفاف بالحرمات وإشاعتها بين الناس وتحريض الشباب الغافلين أو المترددين على فعلها فيكون من نتيجة ذلك أن يقدم الشاب على هذا الفعل بسبب أن فلان فعل كذا ولم يحدث له شيء.

* ومن آثارها السيئة على المجتمع المسلم ما يلي:

1- إعطاء صورة سيئة عن المجتمع المسلم.

2- الفتّ في عضد الناس بذيوع هذه الفضائح والأباطيل.

3- الإرجاف في المدينة وبلبلة أفكار الناس وإيذاء المؤمنين بغير ما اكتسبوا.

4- إشاعة الفاحشة وتداولها بين الناس، وجعلها من المعروف الذي يعرفه كل واحد.

5- استمرار الذنوب والتعايش معها على أنها جزء من نسيج المجتمع وهذا فيه ما فيه من لبس الحق بالباطل.



* د.الربيع: المجتمع المسلم يقوم على أسس ربانية تميزه عن غيره من المجتمعات الإنسانية، ومن هذه الأسس قيامه على العفة والطهر في علاقات أفراده ببعضهم وفيما يدور في جوانب الحياة المختلفة، فحرم الله تعالى إشاعة الفاحشة في أوساط المسلمين بكل صورها، فقال تعالى: )إن الذين يحبون أن تشيع الفاحشة في الذين آمنوا لهم عذاب أليم في الدنيا والآخرة( والمراد شيوع خبرها ولو كان ذلك فيما يجري بين الزوجين كما قال- صلى الله عليه وسلم - : (إن من أشر الناس عند الله منزلة يوم القيامة الرجل يفضي إلى امرأته وتفضي إليه ثم ينشر سرها) أخرجه مسلم.

ولاشك أن نشر أخبار ما بين غير الزوجين أشد قبحاً، ولا يخفى أنه إذا كثر ذكر المنكرات بتفاصيلها اشتاقت النفوس الضعيفة إلى فعلها، ففي نشر الفضائح وتفاصيل الجريمة دعوة إلى إتيانها والقيام بتجربتها، فالواجب ستر القبائح وترك الفضائح في حق الإنسان نفسه وفي حق غيره، كما روى مالك عن أبي الزبير أن رجلاً خطب إلى رجل أخته فذكر أنها كانت قد أحدثت - أي زنت - فبلغ ذلك عمر فضربه أو كاد أن يضربه ثم قال: مالك وللخبر، أي حرصاً على الستر وعدم نشر الزلات.  ونشر أدق تفاصيل الجريمة في وسائل الإعلام - مع أنه منهج مخالف للشرع - فهو من أسباب الإثارة والتهييج التي تثير في نفوس الشباب كثيراً من الرغبات التي تصطدم بالعوائق الاجتماعية التي تعرقل الزواج - كسبيل شرعي للعفة - مما يدفع بعض ضعاف الإيمان إلى ارتكاب الجرائم الأخلاقية الشنيعة بسبب ضغط التهييج الإعلامي المباشر على عقولهم ونفوسهم.

إيجابي وسلبي

- ما الأثر النفسي والاجتماعي الذي يتركه نشر تفاصيل الجريمة؟

* د.الرشيدي:إن نشر تفاصيل الجريمة يكون له أثر على أطراف كثيرة:

1 - بالنسبة لذوي الضحية، فإن ذلك يزيد من آلامهم النفسية، لكنه يتيح لهم معلومات تقابل ما يكون لديهم من حب شديد لمعرفة الحقيقة، وقد يستخدمون هذه المعلومات لصالحهم بأية صورة من الصور.

2 - بالنسبة للجناة، فإن نشر تفاصيل الجريمة يكشف سوءاتهم وسلوكهم الإجرامي الخبيث، ويفضحهم أمام الجميع، فيسيطر عليهم الخزي والمذلة، وهذا عقاب نفسي شديد، وهناك نوعية من المجرمين (السيكوباتيين) الذين تبلدت مشاعرهم، و هؤلاء قليلون وعادة ما يقضون جل حياتهم في السجون أو المصحات العقلية.

3 - فيما يتعلق بالمجتمع عموماً، فإن نشر تفاصيل الجريمة له جانب إيجابي وآخر سلبي. الجانب الإيجابي يتمثل في توعية المجتمع بالجريمة، وبالتالي اتخاذ الاحتياطات التي تكفل لهم الحماية أو الوقاية، ويزداد رفضهم للمجرمين ويتعاطفون مع ضحايا الجريمة، أما الجانب السلبي فقد يترتب على النشر أن يقلدها البعض أو يستفيد منها في ارتكاب الجرائم، كما أن الكثير من الناس ينتابهم الخوف من أن يكونوا ضحية للمجرمين، وقد يؤدي نشر تفاصيل بعض الجرائم إلى إثارة البلبلة أو الرغبة في الانتقام.. إلخ.

 هل تؤيدون سن تشريع أو قانون يحظر نشر تفاصيل الجرائم الأخلاقية؟

* د.الربيع:من مسؤولية ولاة الأمر حماية المجتمع من كل ما يهدد دينه ومصالحه، لأن وظيفة الإمام سياسة الدنيا بالدين، وقد تقرر أن الدين يمنع نشر أخبار الفاحشة، فمن هنا يجب على ولي الأمر منع ذلك بما يراه مناسباً، سواء بسن القوانين الملزمة بهذا الشأن أم بغيرها من التراتيب الإدارية التي تحقق هذا الغرض المشروع.  ما دور مجلس الأمة في التصدي لظاهرة الجريمة ونشر أخبارها دون قيد أو ضابط؟

* د.الرشيدي:إن دور مجلس الأمة مهم جداً في التشريع والرقابة، ولابد أن يقوم بوضع قوانين حازمة وصارمة (تغليظ العقوبة) والمراقبة الصارمة لتنفيذ هذه القوانين.

كلمة ..

- هل من كلمة توجهونها إلى تلك الأقلام والمجلات التي لا تتورع عن نشر تفاصيل الجريمة الجنسية؟

* د.الجيران: الذين يحرصون على نشر تفاصيل الجرائم الأخلاقية بشكل خاص على ثلاثة أصناف ذكرهم الله تعالى في كتابه الكريم حيث قال: )لئن لم ينته المنافقون والذين في قلوبهم مرض والمرجفون في المدينة لنغرينك بهم ثم لا يجاورونك فيها إلا قليلاً( الصنف الأول: هم المنافقون الذين لم يدخل الإيمان في قلوبهم وهم الذين يتظاهرون بالإسلام ويبطنون الكفر ويحبون أن تشيع الفاحشة في الذين آمنوا.

الصنف الثاني: هم الذين في قلوبهم مرض وهم الزناة وأهل الأهواء الذين صاروا عبيداً لشهواتهم وأهوائهم ونظروا إلى الناس بهذا المنظار.

الصنف الثالث: المرجفون وهم أهل الإشاعات وهؤلاء ضعاف النفوس يشيعون الأخبار الكاذبة زمن الحرب ليخيفوا الناس. وهؤلاء جميعاً توعدهم الله تعالى على فعلهم هذا ولعنهم سبحانه ودعا عليهم بالقتل لأنهم ليسوا بأهل للحياة لأنهم أهل ارجاف وزيغ.

* د.الربيع:أود أن أوجه نصيحة لهم وهي أن الكتابة الصحافية رسالة وأمانة قبل أن تكون مهنة أو باباً يكسب منه الإنسان رزقه، فعلى أصحاب الأقلام أن يتقوا الله فيما يكتبونه للقراء، فإن الله سائلهم عن كل ما كتبوا.. ماذا كتبوا؟ ولم كتبوا؟ فليحذروا أن يكونوا - دون أن يشعروا - سبباً في نشر الفاحشة والرذيلة في أوساط المسلمين، وقد قال عز وجل: )إن الذين يحبون أن تشيع الفاحشة في الذين آمنوا لهم عذاب أليم في الدنيا والآخرة( قال ابن سعدي: أي موجع للقلب والبدن، وذلك لغشه لإخوانه المسلمين ومحبة الشر لهم وجراءته على أعراضهم، فإذا كان هذا الوعيد لمجرد محبة أن تشيع الفاحشة واستحلاء ذلك بالقلب، فكيف بما هو أعظم من إظهاره ونقله؟!

- كيف تعامل الإسلام مع الجريمة في المجتمع الإسلامي؟

* وفي سؤال وجهناه إلى كل من د.عبدالرحمن الجيران ود.وليد الربيع عن كيفية تعامل الإسلام مع الجريمة قال د.الجيران: لقد كان لمنهج القرآن الكريم في التعاطي مع الجريمة أثر في حياة الصحابة رضي الله عنهم، حيث أدبهم الله تعالى فأحسن تأديبهم، وأرشدهم لما فيه خيرهم وصلاحهم فيما يتعلق بالجريمة وشيوع أخبارها بين الناس، ويمكن الإشارة إلى أهم جوانب التعاطي القرآني مع الجريمة بما يلي:

أولاً: يقول تعالى ) لولا إذ سمعتموه ظن المؤمنون والمؤمنات بأنفسهم خيراً وقالوا هذا إفك مبين( (النور:21). الأدب الأول: فهذا هو الأدب الواجب في مثل هذه الحالة وهو المبادرة بالاعتقاد الحسن والخير في المؤمنين والمؤمنات وعدم تغليب الشر ولوازمه في المؤمنين لأن الغالب على المؤمن الخير ودواعيه والتقوى ولوازمها وليس العكس وهكذا الظن في كل مؤمن ومؤمنة.

ثانياً: الأدب الثاني في قوله تعالى )ولولا إذ سمعتموه قلتم ما يكون لنا أن نتكلم بهذا سبحانك هذا بهتان عظيم( (النور:61).

وهذا تأديب من الله تعالى للمؤمنين وذلك حين أفاض بعضهم بالكلام السوء فأرشدهم سبحانه إذاكان هذا الأمر لا يليق بكم فكيف يليق بمن هو أفضل منكم رتبةً وعلماً؛ وعليه فلا يجوز الخوض في هذا الحديث الذي يرجى من ورائه خير، بل مضرته أكبر من نفعه ومصلحته مرجوحة، ولا يتعاطاه إلا السقطة من الناس.

ثالثاً: الأدب الثالث: في قوله تعالى )إن الذين يحبون أن تشيع الفاحشة في الذين آمنوا لهم عذاب أليم في الدنيا والآخرة ( .

هذا الأدب مقرون بالوعد في الدنيا والآخرة، حيث ينبغي لمن سمع كلاماً سيئاً أن لا يُكثر منه ولا يشيعه ولا يذيعه بين الناس، كما أن الآية تضمنت الوعيد الشديد لمن يختارون الكلام القبيح لكي ينشروه في المؤمنين، بل جاء في الحديث الذي رواه الإمام أحمد وغيره قوله (لا تطلبوا عوراتهم فإنه من طلب عورة أخيه المسلم طلب الله عورته حتى يفضحه في بيته). * أما التعاطي الإعلامي مع الجريمة في السنة المطهرة فقد جاءت السنة المطهرة تطبيقاً عملياً لما في القرآن حيث ثبت في السنة أن ماعز رضي الله عنه أتى إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - مقراً على نفسه، بالزنى فأتى قبل وجه النبي - صلى الله عليه وسلم - فأخبره بذلك فأعرض عنه النبي - صلى الله عليه وسلم - ثم أتى من جانبه وأخبره فأعرض عنه النبي - صلى الله عليه وسلم - ثم أتى من الجانب الآخر فأخبره فأعرض عنه النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى أن أتى وأخبره الخبر؛ فقال له النبي - صلى الله عليه وسلم - أبك جنون؟ فقال لا ثم قال لعلك فعلت كذا؟ فقال:لا فقال: لعلك فعلت كذا فقال لا إلى آخر الحديث. والذي يؤخذ منه إعراض النبي - صلى الله عليه وسلم - عن مثل هذا الإخبار مراراً والتأكيد على أن الواجب هنا الستر وعدم الإشاعة وهذا بخلاف ما هو حاصل اليوم من تلقف الأخبار دون تثبت ومن ثم تحريرها والزيادة عليها للإثارة والتشويق، ومن ثم نشرها للتداول بين الناس واعتبار ذلك من السبق الصحافي والتفرد الإعلامي، ونسوا أنهم سيقفون بين يدي الله تعالى ليحاسبهم عما فعلوا من إشاعة الشر وما تسبب عنه هذا الفعل من شيوع الفاحشة وانتشارها بين الناس وذكر التفاصيل التي لا ينبغي أن تذكر إلا في سبيل التحقيق والاعتراف ومع القاضي المختص بالنظر فيها وداخل غرف المحاكم فقط،وما يقال في الجريمة وذيوعها يقال أيضاً في الجوانب الأخرى سياسية كانت أم اقتصادية أم غيرها فالواجب على الجميع التثبت من الأخبار والرجوع إلى أهل الاختصاص فيها ونشر ما فيه نفع وصلاح للمسلمين فقط. * أما د. الربيع فقال: لاشك أن منهج الإسلام يتسم بالشمول والتكامل، فهو منهج وقائي وإجرائي، بمعنى أنه منهج يهدف إلى منع الجريمة قبل وقوعها، كما أنه قد بين أسس التعامل معها فيما إذا وقعت.  فمن حيث منع الجريمة قبل وقوعها، حرص الإسلام على ترسيخ الإيمان والخوف من الله تعالى ومراقبته في السر والعلن في قلوب المسلمين، كما قال تعالى: )واعلموا أن الله يعلم ما في أنفسكم فاحذروه( وهدد بالعقوبات القاسية في الدنيا قبل الآخرة لمن تسول له نفسه ارتكاب الجرائم في حق الأفراد أو المجتمع، كجرائم القتل والسرقة والزنا والقذف وقطع الطريق ونحوها، وأمر ولاة الأمر بحراسة المجتمع من أسباب الجرائم بإحياء فريضة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ما قال: )ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر وأولئك هم المفلحون( وغير ذلك من سبل منع الجريمة قبل وقوعها.  أما في حال وقوع الجريمة، فقد حث الشرع على إقامة العقوبة دون تهاون أو تأخير، كما قال تعالى في حق عقوبة الزانين: )ولا تأخذكم بهما رأفة في دين الله( وقال- صلى الله عليه وسلم - : (أقيموا حدود الله في القريب والبعيد ولا تأخذكم في الله لومة لائم) لما في ذلك من الحكم الجليلة والمصالح الكثيرة في حق الفرد والمجتمع . ومن هنا كانت العقوبات في الشرع علنية، كما قال تعالى: )وليشهد عذابهما طائفة من المؤمنين( لأن ذلك أبلغ في الزجر والردع عن الجرائم ، قال ابن تيمية: إن العقوبات الشرعية كلها أدوية نافعة يصلح الله بها مرض القلب، وهي من رحمة الله بعباده ورأفته بهم الداخلة في قوله تعالى: )وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين( فمن ترك هذه الرحمة النافعة لرأفة يجدها بالمريض، فهو الذي أعان على عذابه وهلاكه، وإن كان لا يريد إلا الخير.







هذه الموضوع من موقع شبكة التربية الإسلامية الشاملة - موقع الجذوع المشتركة -
http://jid3.medharweb.net

عنوان الرابط لهذه الموضوع:
http://jid3.medharweb.net/modules.php?name=News&file=article&sid=270