Welcome to
الرئيسية تواصل معنا اخبر صديقك شارك بموضوع مواضيع للطباعة








أنت الزائر رقم
Counter

  
الإيمان بوجود الله تعالى والأدلة على وجوده / الدليل الثالث دلالة معجزات الأنبياء
أرسلت في 19-8-1425 هـ
المكون:مكون العقائد جذع مشترك
الإيمان بوجود الله تعالى والأدلة على وجوده / الدليل الثالث دلالة معجزات الأنبياء
المعجزات هي الأمور الغريبة الخارقة للعادة البشرية التي تجري بأمر الله تعالى على يد من أرسلهم إلى الناس لتبليغ دينه، وهي من أعظم الدلائل على
وجود الله.
وذلك لأن وقوع المعجزة بعد أن لم تكن يدل بنفسه على وجود الله تعالى، كسائر المحدثات، بل هي أخص من ذلك؛ لأن الحوادث المعتادة ليست في الدلالة كالحوادث الغريبة، ولأن دلائلها مأخوذة من طريق الحس لمن شاهدها، ومن طريق استفاضة الخبر لمن غاب عنها


وقد تواترت الأخبار عن المعجزات التي حصلت للأنبياء السابقين، وحصول العاقبة لهم والدائرة على أعدائهم، وإجابة دعواتهم، وأعظم هذه المعجزات
المعجزة الخالدة: القرآن الكريم، الذي قامت الأوجه الكثيرة على إعجازه.
 أهمية ووضوح دلالة معجزات الأنبياء:
معجزات الأنبياء هي ما يجريه الله سبحانه وتعالى على أيديهم من خوارق العادات تصديقاً لهم وتأييداً.
وهذه المعجزات من أقوى الأدلة على وجود الله تعالى، بعد دلالتها الضرورية على صدقهم.
وفي بيان ظهور هذه الدلالة وقوتها يقول ابن تيمية: "إن دلالة الآيات التي يستدل بها الأنبياء على ثبوت صانع قدير عليم حكيم أعظم من دلالة ما اعتيد
من خلق الإنسان من نطفة، فإذا كان ذلك يدل بنفسه على إثبات الصانع فهذا أولى، والمقصود التنبيه على أن المعجزات قد يعلم بها ثبوت الصانع وصدق
رسوله معا" درء تعارض العقل والنقل (9/43-44 بإيجاز وتصرف.
ويرجع أبو عبد الله ابن الوزير ظهور هذه الدلالة لكونها تجمع أمرين ظاهرين، فيقول: "وأما دلالة المعجزات فهي من أقوى الدلالات وأوضح الآيات
لجمعها بين أمرين واضحين، وهما: الحدوث الضروري، والمخالفة للطبائع والعادات"إيثار الحق على الخلق (53).
تقرير وتأصيل دلالة معجزات الأنبياء:
يقول أبو سليمان الخطابي مقرراً هذه الدلالة: "قد سلك بعض من بحث في إثبات الصانع وحدوث العالم طريق الاستدلال بمقدمات النبوة ومعجزات
الرسالة؛ لأن دلائلها مأخوذة من طريق الحس لمن شاهدها، ومن طريق استفاضة الخبر لمن غاب عنها، فلما ثبتت النبوة صارت أصلاً في وجوب قبول
ما دعا إليه النبي" الغنية عن الكلام وأهله، بواسطة شيخ الإسلام ابن تيمية (مجموع الفتاوى 11/378).
ويقول ابن تيمية: "وأما الطريقة التي ذكرها المتقدمون فصحيحة إذا حررت، وقد جاء القرآن بها في قصة فرعون، فإنه كان منكراً للرب، قال تعالى:
فَأْتِيَا فِرْعَوْنَ فَقُولا إِنَّا رَسُولُ رَبّ ٱلْعَـٰلَمِينَ (16)أَنْ أَرْسِلْ مَعَنَا بَنِى إِسْرٰءيلَ (17) قَالَ أَلَمْ نُرَبّكَ فِينَا وَلِيداً [الشعراء:16-18]، إلى قوله: قَالَ فِرْعَوْنُ
وَمَا رَبُّ ٱلْعَـٰلَمِينَ (23) قَالَ رَبُّ ٱلسَّمَـٰوٰتِ وَٱلأرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِن كُنتُمْ مُّوقِنِينَ (24) قَالَ لِمَنْ حَوْلَهُ أَلاَ تَسْتَمِعُونَ (25) قَالَ رَبُّكُمْ وَرَبُّ ءابَائِكُمُ
ٱلاْوَّلِينَ (26) قَالَ إِنَّ رَسُولَكُمُ ٱلَّذِى أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ (27) قَالَ رَبُّ ٱلْمَشْرِقِ وَٱلْمَغْرِبِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِن كُنتُمْ تَعْقِلُونَ (28) قَالَ لَئِنِ ٱتَّخَذْتَ
إِلَـٰهَاً غَيْرِى لاجْعَلَنَّكَ مِنَ ٱلْمَسْجُونِينَ (29) قَالَ أَوَلَوْ جِئْتُكَ بِشَىء مُّبِينٍ (30) قَالَ فَأْتِ بِهِ إِن كُنتَ مِنَ ٱلصَّـٰدِقِينَ (31) فَأَلْقَىٰ عَصَـٰهُ فَإِذَا هِىَ ثُعْبَانٌ
مُّبِينٌ (32) وَنَزَعَ يَدَهُ فَإِذَا هِىَ بَيْضَاء لِلنَّـٰظِرِينَ [الشعراء:23-33]
فهنا قد عرض عليه موسى الحجة البينة التي جعلها دليلاً على صدقه في كونه رسول رب العالمين، وفي أن له إلهاً غير فرعون يتخذه، وكذلك قال
تعالى: فَإِن لمْ يَسْتَجِيبُواْ لَكُمْ فَٱعْلَمُواْ أَنَّمَا أُنزِلِ بِعِلْمِ ٱللَّهِ وَأَن لاَّ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ [هود:14]، فبين أن المعجزة تدل على الوحدانية والرسالة، وذلك لأن
المعجزة – التي هي فعل خارق للعادة – تدل بنفسها على ثبوت الصانع، كسائر الحوادث، بل هي أخص من ذلك؛ لأن الحوادث المعتادة ليست في الدلالة
كالحوادث الغريبة، ولهذا يُسبَّح الرب عندها، ويمجد ويعظم ما لا يكون عند المعتاد، ويحصل في النفوس ذلة من ذكر عظمته ما لا يحصل للمعتاد، إذ هي
آيات جديدة فتعطي حقها... فتقرر بها الربوبية والرسالة" مجموع الفتاوى (11/378-379).
ويقول أبو عبد الله ابن الوزير: "وعلى كل حال فالنبوات وآياتها البينة ومعجزاتها الباهرة وخوارقها الدافعة أمر كبير وبرهان منير، ما طرق العالم له
معارض البتة، خصوصاً مع قدمه وتواتره، فإن آدم عليه السلام أول البشر وأبوهم نبي مرسل إلى أولاده، ثم لم تزل رسل الله عز وجل تترى مبشرين
ومنذرين وعاضدين لفطرة الله التي فطر الخلق عليها، فلا أشفى ولا أنفع من النظر في كتبهم وآياتهم ومعجزاتهم وأحوالهم، ثم اعتضد ذلك بأمرين:
أحدهما: استمرار نصر الأنبياء في عاقبة أمرهم وإهلاك أعدائهم بالآيات الرائعة. وثانيهما: سلامتهم وأتباعهم ونجاتهم على الدوام من نزول العذاب عليهم
كما نزل على أعدائهم ولا مرة واحدة، وذلك بين في القرآن وجميع كتب الله تعالى وجميع تواريخ العالم.
ومن غريبها الذي لا يكاد أحد ينظر فيه حفظهم مع ضعفهم من الأقوياء الأعداء، وأهل القدرة، مثل: حفظ موسى وهارون من فرعون مع ظهور قدرته،
ولذلك قالا: إِنَّنَا نَخَافُ أَن يَفْرُطَ عَلَيْنَا أَوْ أَن يَطْغَىٰ [طه:45]، فقال الله تعالى لهما: لاَ تَخَافَا إِنَّنِى مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَىٰ [طه:46].
وكذلك قال نوح لقومه: يٰقَوْمِ إِن كَانَ كَبُرَ عَلَيْكُمْ مَّقَامِى وَتَذْكِيرِى بِآيَاتِ ٱللَّهِ فَعَلَى ٱللَّهِ تَوَكَّلْتُ فَأَجْمِعُواْ أَمْرَكُمْ وَشُرَكَاءكُمْ ثُمَّ لاَ يَكُنْ أَمْرُكُمْ عَلَيْكُمْ غُمَّةً ثُمَّ
ٱقْضُواْ إِلَىَّ وَلاَ تُنظِرُونَ [يونس:71]. ونحو ذا قال هود لقومه، وكذلك قال الله تعالى لمحمد صلى الله عليه وسلم: قُلِ ٱدْعُواْ شُرَكَاءكُمْ ثُمَّ كِيدُونِ فَلاَ
تُنظِرُونِ [الأعراف:195]، ولما نزل عليه قوله تعالى: وَٱللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ ٱلنَّاسِ [المائدة:67]، ترك الحرس، وكان يُحرس قبل نزولها... ومنهم من
كفاه الله بالأسباب الظاهرة الخارقة، مثل: ملك سليمان عليه السلام وخدمة الجن له، وتسخير الريح له، وجميع ما حكي عنه، فهذا أيضاً يدل على الله
تعالى أوضح الدلالة"  إيثار الحق على الخلق (53-54).
أوجه دلالة معجزات الأنبياء:
تقدمت الإشارة إلى أن هذه الدلالة من الأدلة التي ورد تقريرها في القرآن ونشير هنا إلى الأوجه التي جاء بها القرآن لتقريرها، إلا أنه من المستحسن أن
التنبيه على أن الجانب السمعي في هذا الدليل إنما هو ناحية ثبوته، وهي حاصلة باستفاضة الأخبار وتواترها، أما نفس دلالته فلا شك أنها حسية عقلية،
فمتى ثبت الخبر ثبتت هذه الدلالة، ولا يضر توقفها على ثبوت الخبر....انظر: الأدلة العقلية النقلية (298).
وفيما يلي سيشار إلى أمثلة لما ورد في القرآن من التنبيه على أنواع هذه الدلالة.
أولاً: معجزات الأنبياء [آيات الأنبياء]:
أشهر المعجزات والآيات ذكراً في القرآن هي الآيات التي أظهرها الله تعالى على يد نبيه موسى عليه السلام، وهي خير مثال على المراد من هذه الدلالة،
حيث جابه بها موسى منكري الصانع، وهم فرعون وقومه، قال الله تعالى: وَلَقَدْ ءاتَيْنَا مُوسَىٰ تِسْعَ ءايَـٰتٍ بَيّنَاتٍ فَٱسْأَلْ بَنِى إِسْرٰءيلَ إِذْ جَاءهُمْ فَقَالَ لَهُ
فِرْعَونُ إِنّى لاظُنُّكَ يٰمُوسَىٰ مَسْحُورًا (101) قَالَ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنزَلَ هَـؤُلاء إِلاَّ رَبُّ ٱلسَّمَـٰوٰتِ وَٱلأرْضِ بَصَائِرَ [الإسراء:101، 102].
والآيات التسع المذكورة في الآية هي: اليد، والعصا، والسنون العجاف، ونقص الثمرات، والطوفان، والجراد، والقمل، والضفادع، والدم، ذكر هذا ابن
كثير عن ابن عباس وجماعة من أئمة التابعين ثم قال: "وهذا القول ظاهر جلي، حسم قوي" تفسير القرآن العظيم (3/74)، .......وانظر: الخلاف في
ذلك بأسانيده عند الإمام الطبري في جامع البيان (15/171، 172).
والمقصود أن موسى عليه السلام احتج بالمعجزات على من أنكر وجود الخالق – جل وعلا – بل وعلى من ادعى مقام الربوبية، كما هو واضح من قوله
تعالى: قَالَ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنزَلَ هَـؤُلاء إِلاَّ رَبُّ ٱلسَّمَـٰوٰتِ وَٱلأرْضِ [الإسراء:102]، فإن القادر وحده على خرق العادة وإظهار هذه الآيات هو رب
السماوات والأرض وما بينهما، ومسيّر الكون على مشيئته وإرادته.
ثانياً: حصول العاقبة للأنبياء وأتباعهم، والدائرة على أعدائهم:
ذكر ابن الوزير أن دلالة النبوات قد اعتضدت بأمرين: أحدهما: استمرار نصر الأنبياء في عاقبة أمرهم، وإهلاك أعدائهم، وثانيهما: سلامتهم وأتباعهم
ونجاتهم على الدوام من نزول العذاب عليهم كما نزل على أعدائهم ولو مرة واحدة ..........تفسير القرآن العظيم (3/74)، وانظر: الخلاف في ذلك
بأسانيده عند الإمام الطبري في جامع البيان (15/171، 172).
وقد كثرت الإشارة في كتاب الله عز وجل إلى هذه الوجه، ومن أمثلة ذلك: قوله تعالى: أَلَمْ يَأْتِهِمْ نَبَأُ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَقَوْمِ إِبْرٰهِيمَ
وِأَصْحَـٰبِ مَدْيَنَ وَٱلْمُؤْتَفِكَـٰتِ أَتَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِٱلْبَيّنَـٰتِ فَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَـٰكِن كَانُواْ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ [التوبة:70].
وقال تعالى بعد قصة قوم لوط: إِنَّ فِى ذَلِكَ لآيَـٰتٍ لِلْمُتَوَسّمِينَ (75) وَإِنَّهَا لَبِسَبِيلٍ مُّقِيمٍ (76) إِنَّ في ذَلِكَ لآيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ [الحجر:75-77].
والآيات في هذا كثيرة جداً ... انظر: مثلاً المواضع التالية: (آل عمران:137)، (الأنعام:6، 11)، (الأعراف:4، 100-102)، (هود:100: 103)،
(يوسف:109) ..
وهي تنص على أن ما حل بكفار الأمم السابقة من العذاب هو من الآيات الدالة على وجود الله تعالى وسلطانه على خلقه، مع كونها من أعظم علامات
صدق الرسل.
ثالثاً: إجابة الدعوات وكشف الكربات:
قال الله تعالى: أَمَّن يُجِيبُ ٱلْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ ٱلسُّوء وَيَجْعَلُكُمْ حُلَفَاء ٱلأرْضِ أَءلَـٰهٌ مَّعَ ٱللَّهِ قَلِيلاً مَّا تَذَكَّرُونَ [النمل:62].
ولا شك أن حصول إجابة دعوات الأنبياء والرسل والصالحين وكشف الكرب عنهم من أعظم الأدلة على وجود الله عز وجل.
أما السبيل إلى معرفة هذه الدلالة فيحصل من طريقين: طريق السمع، وطريق الحس والمشاهدة.
فمن حضر حادثة الإجابة كانت له حسية مشاهدة، ومن لم يحضره فإنه يعلم به من طريق الخبر الصحيح، إما من طريق الوحي، أو من أخبار الثقات
العدول وما تواتر نقله، وكتب التواريخ والسير غاصة بالأمثلة على ذلك...راجع مثلاً كتاب: المستغيثين بالله – تعالى – عند المهمات والحاجات، لابن
بشكوال، وانظر: فيما تقدم: الأدلة العقلية النقلية (300-وما بعدها).
ومما ورد في القرآن، قوله تعالى: ولقد نادانا نوح فلنعم المجيبون. وقال تعالى عن نوح أيضاً: فَدَعَا رَبَّهُ أَنّى مَغْلُوبٌ فَٱنتَصِرْ (10) فَفَتَحْنَا أَبْوٰبَ
ٱلسَّمَاء بِمَاء مُّنْهَمِرٍ [القمر:10، 11].
وقال تعالى عن يونس: وَذَا ٱلنُّونِ إِذ ذَّهَبَ مُغَـٰضِباً فَظَنَّ أَن لَّن نَّقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَىٰ فِى ٱلظُّلُمَـٰتِ أَن لاَّ إِلَـٰهَ إِلاَّ أَنتَ سُبْحَـٰنَكَ إِنّى كُنتُ مِنَ ٱلظَّـٰلِمِينَ (87)
فَٱسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَـٰهُ مِنَ ٱلْغَمّ وَكَذٰلِكَ نُنجِـى ٱلْمُؤْمِنِينَ [الأنبياء:87، 88].
معجزة القرآن الكريم الخالدة:
1-عظم منزلة القرآن الكريم:
من أعظم الآيات البينات والمعجزات الظاهرات التي جاء بها خاتم الأنبياء والمرسلين محمد صلى الله عليه وسلم القرآن الكريم، بل هو أعظم معجزة جاء
بها نبي على الإطلاق، ودلالة القرآن الكريم على وجود الله عز وجل باب من أبواب الاستدلال بمعجزات الأنبياء، وإنما أفردت بالذكر لعظيم خطرها،
وجليل شأنها، وكونها الآية والمعجزة الخالدة من لدن نبينا محمد صلى الله عليه وسلم إلى قيام الساعة.
يقول ابن حجر: "ومعجزة القرآن مستمرة إلى يوم القيامة وخرقه للعادة في أسلوبه وبلاغته وإخباره بالمغيبات، فلا يمر عصر من الأعصار إلا ويظهر
فيه شيء مما أخبر به أنه سيكون يدل على صحة دعواه"..... فتح الباري (9/7).
2-وجه دلالة القرآن الكريم على وجود الله تعالى:
إن أوجه الإعجاز القرآني –التي سيأتي عرضها بإيجاز– تدل على أن هذا القرآن الكريم ليس من صنع البشر أو نظمهم، لعجزهم –مع قيام التحدي لهم–
عن الإتيان بمثله أو بعضه، فإذا ثبت إعجازه للبشر ثبت أنه من عند حكيم خبير عليم، ألا وهو الله عز وجل.
قال تعالى متحدياً الكفار أن يأتوا بمثل القرآن أو بعضه: أَمْ يَقُولُونَ ٱفْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُواْ بِعَشْرِ سُوَرٍ مّثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ وَٱدْعُواْ مَنِ ٱسْتَطَعْتُمْ مّن دُونِ ٱللَّهِ إِن
كُنتُمْ صَـٰدِقِينَ (13) فَإِن لمْ يَسْتَجِيبُواْ لَكُمْ فَٱعْلَمُواْ أَنَّمَا أُنزِلِ بِعِلْمِ ٱللَّهِ وَأَن لاَّ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ فَهَلْ أَنتُمْ مُّسْلِمُونَ [هود:13، 14].
يقول الباقلاني: "فجعل عجزهم عن الإتيان بمثله دليلاً على أنه منه، ودليلاً على وحدانيته، وذلك يدل عندنا على بطلان قول من زعم أنه لا يمكن أن تعلم
بالقرآن الوحدانية، وزعم أن ذلك مما لا سبيل إليه إلا من جهة العقل، لأن القرآن كلام الله عز وجل ولا يصح أن يعلم الكلام حتى يعلم المتكلم، فقلنا: إذا
ثبت بما نبينه إعجازه، وأن الخلق لا يقدرون عليه ثبت أن الذي أتى به غيرهم، وأنه إنما يختص بالقدرة عليه من يختص بالقدرة عليهم، وأنه صدق"...
إعجاز القرآن (17).
3-أوجه إعجاز القرآن الكريم:
ذكر أهل العلم عدة أوجه لإعجاز القرآن الكريم، نكتفي بأهمها:
أولاً: الإعجاز اللغوي البياني:
كانت العرب عند نزول القرآن عليهم في أعلى مقامات الفصاحة والبلاغة والتفنن في ضروب الكلام والبيان، ومع ذلك عجزوا كلهم عن الإتيان بمثل
القرآن أو بمثل بعضه مع قيام المقتضي لذلك، وهو التحدي من الله تعالى لهم أن يأتوا بمثله.
يقول أبو سليمان الخطابي: "واعلم أن القرآن إنما صار معجزاً لأنه جاء بأفصح الألفاظ في أحسن نظوم التأليف مضمناً أصح المعاني... واضعاً كل شيء
منها موضعه الذي لا يرى شيء أولى منه".....إعجاز القرآن (35-42 باختصار.
ثانياً: الإعجاز الغيبي:
وهو أنباء الغيب وأخباره التي أوردها القرآن الكريم، حيث اشتمل القرآن الكريم على كثير من أنباء الغيب فيه، وإدراك هذا الوجه من وجوه الإعجاز لا
يحتاج إلى ذوق بياني أو بلاغة، وإنما تحتاج إلى ثقافة علمية إخبارية تاريخية، وهذه يمكن أن تتوفر للعربي وغير العربي، قال الخطابي مشيراً إلى
الإعجاز الغيبي في القرآن: "مودعاً [أي القرآن] أخبار القرون الماضية وما نزل من مثلات الله بمن عصى وعاند منهم، منبئاً عن الكوائن المستقبلية في
الأعصار الباقية من الزمان"...إعجاز القرآن (28).
وأنباء الغيب في القرآن تدل على مصدره، وأنه من عند الله لا من تأليف محمد صلى الله عليه وسلم؛ لأنه لا سبيل له ولا لقومه بمعرفة تلك
الأخبار......انظر: البيان في إعجاز القرآن (234 لصلاح الخالدي.
يقول الرماني في معرض تعداده لأوجه الإعجاز القرآني: "وأما الأخبار الصادقة عن الأمور المستقبلية فإنه لما كان لا يجوز أن تقع على الاتفاق دل على
أنها من عند علام الغيوب"..... النكت في إعجاز القرآن .
[7] البيان في إعجاز القرآن (262 للخالدي.
-أنواع الإعجاز الغيبي في القرآن:
الأول: غيب الماضي:
ويقصد به إنباء القرآن عن أخبار الماضين وقصص السابقين، كقصة آدم، وقصة نوح، وإبراهيم وغيرهم من الأنبياء عليهم السلام، وذكر تفصيلات تلك
القصص يدل على أن القرآن كلام الله وليس كلام رسوله محمد صلى الله عليه وسلم، لأنه من المتفق عليه أن الرسول صلى الله عليه وسلم أمي لا علم له
بأخبار السابقين.
قال الله تعالى ـ في ختام قصة نوح ـ: تِلْكَ مِنْ أَنْبَاء ٱلْغَيْبِ نُوحِيهَا إِلَيْكَ مَا كُنتَ تَعْلَمُهَا أَنتَ وَلاَ قَوْمُكَ مِن قَبْلِ هَـٰذَا [هود:49].
الثاني: غيب الحاضر:
ويراد به إخبار القرآن عن عوالم الغيب الموجودة وقت نزوله وهي في مجالين:
المجال الأول: كلام القرآن عن عوالم الغيب الموجودة والتي لم يرها الناس بأبصارهم ولم يتعاطوا معها بحواسهم، كالحديث عن أسماء الله وصفاته
وأفعاله، وكالحديث عن الملائكة والجن ومشاهد الموت والاحتضار... الخ
المجال الثاني: كشف القرآن لأسرار ومكائد المنافقين الذين كانوا يكيدون في الخفاء للإسلام وأهله، وينسجون المؤامرات للقضاء عليه، ومع ذلك كانت
الآيات القرآنية تتنزل بكشف عوارهم وإظهار ما يبطنون من النفاق والمكر، كالكشف عن حقيقة قصد المنافقين من مسجد الضرار، وتآمرهم على اغتيال
النبي صلى الله عليه وسلم في طريق عودته من تبوك.
قال الله تعالى: يَحْذَرُ ٱلْمُنَـٰفِقُونَ أَن تُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ سُورَةٌ تُنَبّئُهُمْ بِمَا فِي قُلُوبِهِم قُلِ ٱسْتَهْزِءواْ إِنَّ ٱللَّهَ مُخْرِجٌ مَّا تَحْذَرُونَ الآيات [التوبة:64].
الثالث: غيب المستقبل:
ما سيأتي حدوثه من الوقائع في مستقبل الأيام لا يعلمه إلا الله، وقد أعلن الرسول صلى الله عليه وسلم أنه لا يعلم شيئاً من الغيب علماً ذاتياً، ولكنه يعلم
الغيب الذي يعلمه الله إياه قال تعالى: قُل لا أَمْلِكُ لِنَفْسِى نَفْعًا وَلاَ ضَرّا إِلاَّ مَا شَاء ٱللَّهُ وَلَوْ كُنتُ أَعْلَمُ ٱلْغَيْبَ لاَسْتَكْثَرْتُ مِنَ ٱلْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِىَ ٱلسُّوء
[الأعراف:188].
ومع هذه الحقيقة فقد ورد في القرآن الكريم آيات صريحة تتحدث عن أخبار مستقبلية، ومما يدل على وجه الإعجاز فيها أنها وقعت كما أخبر جاءت في
القرآن، فمن ذلك:
1- إخبار القرآن عن مستقبل الإسلام، والرسول صلى الله عليه وسلم:
جزمت آيات قرآنية بانتصار الإسلام والتمكين له، وكان ذلك في آيات نزلت في مكة حال ضعف الإسلام والمسلمين، ثم تحققت وعود تلك الآيات. قال
تعالى: أَكُفَّـٰرُكُمْ خَيْرٌ مّنْ أُوْلَـئِكُمْ أَمْ لَكُم بَرَاءةٌ فِى ٱلزُّبُرِ (43) أَمْ يَقُولُونَ نَحْنُ جَمِيعٌ مُّنتَصِرٌ (44) سَيُهْزَمُ ٱلْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ ٱلدُّبُرَ [القمر:43-45].
أراد بالجمع قريش، وجزم بأنهم سوف يهزمون عند مواجهة المسلمين، وقد كان ذلك في غزوة بدر الكبرى.
2-جزم القرآن بانتصار الروم على الفرس في بضع سنين:
وقد تحقق ذلك بعد سبع سنين من نزول الآيات، قال تعالى: الـم (1) غُلِبَتِ ٱلرُّومُ (2) فِى أَدْنَى ٱلأرْضِ وَهُم مّن بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ (3) فِى بِضْعِ
سِنِينَ لِلَّهِ ٱلأمْرُ مِن قَبْلُ وَمِن بَعْدُ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ ٱلْمُؤْمِنُونَ (4) بِنَصْرِ ٱللَّهِ [الروم:1-5].
ثالثاً: الإعجاز العلمي:
القرآن كتاب هداية وإرشاد، نزل لهداية الناس إلى الصراط المستقيم، وإرشادهم إلى المنهاج القويم، بما يصلح لهم أمر دينهم ودنياهم وأخراهم. إلا أنه
وردت في ثنايا هذا الكتاب العظيم لفتات وإشارات إلى حقائق في الأنفس والآفاق كانت مجهولة في القرون السابقة، حتى جاء العلم الحديث فكشف عن
بعضها، يقول عبد المجيد الزنداني معرفاً الإعجاز العلمي في القرآن: "إظهار صدق الرسول محمد صلى الله عليه وسلم بما حمله الوحي إليه من علم
إلهي، ثبت تحققه، ويعجز البشر عن نسبته إلى محمد صلى الله عليه وسلم أو إلى أي مصدر بشري في عصره"......110 ضمن ثلاث رسائل في
الإعجاز
والآيات المشتملة على الإعجاز العلمي كثيرة، متنوعة المعارف، نقتصر على ذكر بعضها في الأنفس والآفاق..... جميع النماذج الآتي ذكرها مستخرجة
من قسم الإعجاز القرآني في الدراسة التي أجراها الدكتور موريس بوكاي على الكتب المتقدمة الثلاثة على ضوء المعارف الحديثة, والنقل عنه بواسطة
كتاب (البيان في الإعجاز).
1- مراحل وأطوار الجنين في الرحم:
"يصف القرآن تطور الجنين في رحم أمه وصفاً دقيقاً، ويبين المراحل التي يمرّ بها في قوله تعالى: وَلَقَدْ خَلَقْنَا ٱلإِنْسَـٰنَ مِن سُلَـٰلَةٍ مّن طِينٍ (12) ثُمَّ
جَعَلْنَـٰهُ نُطْفَةً فِى قَرَارٍ مَّكِينٍ (13) ثُمَّ خَلَقْنَا ٱلنُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا ٱلْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا ٱلْمُضْغَةَ عِظَـٰماً فَكَسَوْنَا ٱلْعِظَـٰمَ لَحْماً ثُمَّ أَنشَأْنَـٰهُ خَلْقاً ءاخَرَ
فَتَبَارَكَ ٱللَّهُ أَحْسَنُ ٱلْخَـٰلِقِينَ [المؤمنون:12-14]، فهو بعد العلقة مضغة، والمضغة هي ما يشبه اللحم الممضوغ فَخَلَقْنَا ٱلْعَلَقَةَ مُضْغَةً، ويتطور الهيكل
العظمي في هذه الكتلة فَخَلَقْنَا ٱلْمُضْغَةَ عِظَـٰماً، وبعد أن تُشكّل العظام تتغطى بالعضلات، وتكسى باللحم فَكَسَوْنَا ٱلْعِظَـٰمَ لَحْماً.
إن هذا البيان القرآني الدقيق لمراحل تطور الجنين في الرحم يتفق مع أحدث المقررات العلمية المعاصرة، وهذا البيان فوق مستوى العرب العلمي، بل فوق
مستوى العالم العلمي في عصر التنزيل، وبعده بعدة قرون... ولا يمكن لبشر أن يعرف ذلك وقت نزول القرآن، فالقرآن إذن هو كلام الله"...الكتب
المقدسة في ضوء المعارف الحديثة (232-234 باختصار.
2- النطفة الأمشاج:
قال الله تعالى: إِنَّا خَلَقْنَا ٱلإِنسَـٰنَ مِن نُّطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَّبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَـٰهُ سَمِيعاً بَصِيراً [الإنسان:2].
الأمشاج هي المخاليط، كان السابقون يرون أن المقصود بالأمشاج اختلاط عنصر الذكر بعنصر الأنثى، واجتماع الحيوان المنوي مع البويضة، ولكن كلمة
أمشاج لها معنى أبعد وأعمق وأهم، تشير له المعلومات المعاصرة عن فسيولوجيا الإخصاب وظروفه البيولوجية.
إن الكلمة تشير إلى عناصر (المني) المختلفة، لأن المني يتشكل من إفرازات مختلفة تأتي من الغدد التالية:
1- الخصيتان: حيث يحتوي إفراز الغدة التناسلية للذكر على الحيوانات المنوية.
2- الحويصلات المنوية: حيث تخزن الحيوانات المنوية، وتفرز إفرازاً خاصاً.
3- البروستاتا: وتفرز سائلاً يعطى للسائل المنوي قوامه الغليظ ورائحته الخاصة.
4- الغدد الملحقة بالمسالك البولية: وهي الغدد المعروفة باسم (كوبر) وتفرز سائلاً جارياً.
هذه الإفرازات المختلطة من تلك الغدد المختلفة، والتي ترافق المني في سيره، هي التي تشير لها كلمة أمشاج وهي خاصة بمني الرجل، ولم يكشف عنها
العلم إلا حديثاً... الكتب المقدسة في ضوء المعارف الحديثة (228-229).
3- توسع الكون:
(توسع الكون) أعظم ظاهرة اكتشفها العلم الحديث، ذلك مفهوم قد ثبت اليوم تماماً، ولا تعالج المناقشات إلا النموذج الذي يتم به هذا التوسع.
وقد جاءت الإشارة القرآنية إلى هذا في قوله تعالى: وَٱلسَّمَاء بَنَيْنَـٰهَا بِأَيْدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ  [الذاريات:47].... الكتب المقدسة في ضوء المعارف الحديثة
(209).
4- ظاهرة ضيق التنفس عند الارتفاع إلى السماء:
قال تعالى: فَمَن يُرِدِ ٱللَّهُ أَن يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلَـٰمِ وَمَن يُرِدْ أَن يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيّقاً حَرَجاً كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِى ٱلسَّمَاء [الأنعام:125].
إن في الآية إشارة إلى ظاهرة عرفت حديثاً، وهي الضيق الذي يشعر به الإنسان كلما ارتقى في طبقات الجو، وهو ناتج عن ارتفاع الضغط الجوي كلما
بعدنا عن سطح الأرض.
 

 
 صفحة للطباعة صفحة للطباعة

 أرسل هذا المقال لصديق أرسل هذا المقال لصديق


شبكة التربية الإسلامية الشاملة
المشرف العام الأستاذ أحمد مدهار
جميع الحقوق محفوظة للشبكة
2004/2003
لأفضل مشاهدة ننصح بأن تكون درجة وضوح الشاشة 1024× 768