Welcome to
الرئيسية تواصل معنا اخبر صديقك شارك بموضوع مواضيع للطباعة








أنت الزائر رقم
Counter

  
الإيمان بالله الإيمان بأفعال الله تعالى
أرسلت في 19-8-1425 هـ
المكون:مكون العقائد جذع مشترك
الإيمان بالله  الإيمان بأفعال الله تعالى  
لا يملك الناظر في عظمة هذا الكون وإحكام تدبيره إلا أن يوقن بعظيم قدرة الله تعالى وأفعاله، فهو المالك للكون، الخالق الذي خلق كل شيء، وقام بتدبيره.
وأفعال الله جل جلاله متعلقة بمشيئته، فهو سبحانه يفعل ما شاء متى شاء، ولا يعجزه شيء، وهو على كل شيء قدير، كما أنها في غاية الكمال ومنتهى الحكمة، ولا نقص يعتريها بوجه من الوجوه؛ ولذلك كانت أفعاله كلها خير في الحال أو المآل.
وتنقسم أفعال الله تعالى باعتبار متعلقها إلى: أفعال دالة على تمام ملكه كالإحياء والإماتة، وأفعال دالة على تمام قدرته على الخلق كالإحكام والإتقان، وأفعال دالة على تمام تدبيره كإرسال الرسل وإنزال الغيث.
إنّ معرفة صنع الله تعالى في خلقه، وأفعاله الكونيّة ترسخ في النفس المؤمنة به استحقاقه جلّ وعلا الإفراد بالعبادة دون ما سواه، كما أنهها تزرع في القلوب تعظيمه؛ فتتعلق به وتبتعد عن أسباب سخطه.


الفقرة الأولى :
 أهمية معرفة أفعال الله والمراد بها:
إنّ معرفة صنع الله تعالى في خلقه، وأفعاله الكونيّة ترسخ في النفس المؤمنة به استحقاق الله ـ جلّ وعلا ـ لإفراده بالعبادة دون ما سواه؛ لأنّها تدلّ دلالة أكيدة أنّ الله وحده هو المتفرد بالخلق والأمر والتدبير، قال تعالى: مَّا مِن دَابَّةٍ إِلاَّ هُوَ ءاخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا إِنَّ رَبّى عَلَىٰ صِرٰطٍ مُّسْتَقِيمٍ [هود:56]، فهو المدبّر والمصرِّف لشوؤنِهم، وهو المستحق وحده لأن يفردوه بالعبادة.
والإيمان بتوحيد الربوبية يقود الإنسان بل ويلزمه إلى الإيمان بتوحيد الألوهية؛ لأن الربوبية تستلزم الألوهية، والألوهية متضمنةٌ للربوبية. لذلك حاجج الله الكفار وألزمهم إلى الإيمان بألوهيته لإيمانهم المسبق بربوبيته، قال تعالى: وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ مَّنْ خَلَقَ ٱلسَّمَـٰوٰتِ وَٱلأرْضَ وَسَخَّرَ ٱلشَّمْسَ وَٱلْقَمَرَ لَيَقُولُنَّ ٱللَّهُ فَأَنَّىٰ يُؤْفَكُونَ [العنكبوت:61].
وآيات الله تعالى تدل على وحدانيته وتفرّده باستحقاق العبودية، وكمال الخوف منه.
أ- المراد من أفعال الله تعالى:
وهي الأفعال التي لا يستطيع فعلها غيره، ولا يقوى عليها سواه، ونسبة هذه الأفعال إلى غيره خطأ عظيم، بل قد يؤدي إلى الشرك به الذي هو أظلم الظلم، وصاحبه متوعدٌ بعدم غفران الله له، قال تعالى: ِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاء وَمَن يُشْرِكْ بِٱللَّهِ فَقَدِ ٱفْتَرَىٰ إِثْماً عَظِيماً [النساء:48].
ب- تعريفات متعلقة بأفعال الله تعالى:
1- الأمـر:
قال أبو البقاء: "الحكم والقضاء، قال الله تعالى: أَلاَ لَهُ ٱلْخَلْقُ وَٱلأمْرُ [الأعراف:54][1]".
2- الخلـق:
قال أبو البقاء: "التقدير والإيجاد، وقد يقال للتقدير من غير إيجاد"[2].
وقال: "وكل فعلٍ وُجِدَ من فاعله مقدَّرًا لا على سهوٍ وغفلةٍ؛ فهو الخلق"[3].
3- التدبير:
قال الجرجانِي: "التدبير: إجراء الأمور على علم العواقب. وهي لله تعالى حقيقة، وللعبد مجازًا"[4].
4- المُلـك:
قال أبو البقاء: "المُلك بالضمّ: عبارة عن القدرة الحسيّة العامّة لما يملك شرعًا، ولما لا يملك"[5].
--------------------------------------------------------------------------------
[1] الكليات (ص177).
[2] الكليات (ص29).
[3] الكليات (ص414).
[4] التعريفات (ص77).
[5] الكليات (ص853).


الفقرة الثانية :
قواعد في معرفة أفعال الله:
1- أفعال الله تعالى متعلقة بمشيئته:
أفعال الله تعالى متعلقة بمشيئته، إذا شاء فعلها، وإذا شاء لم يفعلها، يفعل ما يشاء، ويحكم ما يريد، فهداية التوفيق ـ مثلاً ـ بيد الله وحده، إذا أراد هداية أحدٍ من الناس إلى صراطه المستقيم هداه، وإذا لم يشأ لم يهده، قال تعالى: إِنَّكَ لاَ تَهْدِى مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ يَهْدِى مَن يَشَاء وَهُوَ أَعْلَمُ بِٱلْمُهْتَدِينَ [القصص:56] وقال: أيْنَ تَذْهَبُونَ  إِنْ هُوَ إِلاَّ ذِكْرٌ لّلْعَـٰلَمِينَ  لِمَن شَاء مِنكُمْ أَن يَسْتَقِيمَ   وَمَا تَشَاءونَ إِلاَّ أَن يَشَاء ٱللَّهُ رَبُّ ٱلْعَـٰلَمِينَ [التكوير:24-29].
قال ابن تيمية: "جماهير أهل الحديث والفقه والتصوف وسلف الأمة أن الأفعال متعلقة بمشيئته وقدرته"[1].
وهذه الأفعال إما متعدية وإما لازمة، يقول ابن تيمية: "الأفعال نوعان: متعد ولازم، فالمتعدى مثل الخلق والاعطاء ونحو ذلك، واللازم مثل الاستواء والنزول والمجىء والاتيان، قال تعالى: هُوَ ٱلَّذِى خَلَقَ ٱلسَّمَـٰوٰتِ وَٱلأَرْضَ فِى سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ ٱسْتَوَىٰ عَلَى ٱلْعَرْش [الحديد:3]، فذكر الفعلين المتعدى واللازم وكلاهما حاصل بمشيئته وقدرته وهو متصف به"[2].
2- أفعال الله ملازمة للحكمة:
الحكمة عند أهل السنة والجماعة: "العاقبة المحمودة للفعل التي لأجلها فعل الله تعالى، وللأمر الذي لأجله أمر الله"[3].
والله عزّ وجلّ يفعل ما يفعله لحكمة يعلمها، وهذه الحكمة قد يُطلِع العبادَ عليها، وقد يخصُّ بعضهم بِِها، ومن الأدلة على حكمته، قوله تعالى: صُنْعَ ٱللَّهِ ٱلَّذِى أَتْقَنَ كُلَّ شَىْء [النمل:88]، وقال تعالى: ٱلَّذِى أَحْسَنَ كُلَّ شَىْء خَلَقَهُ [السجدة:7] فإتقانه وإحسانه لخلقه دليلٌ على أنّ له حكمة في ذلك[4].
وقال تعالى: ٱللَّهُ ٱلَّذِى خَلَقَ سَبْعَ سَمَـٰوٰتٍ وَمِنَ ٱلأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ ٱلأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لّتَعْلَمُواْ أَنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلّ شَىْء قَدِيرٌ وَأَنَّ ٱللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلّ شَىْء عِلْمَا [الطلاق:12] فبيَّن سبحانه أنّه خلق ذلك لأجل الحكمة التي نصّ عليها، وهي بيان قدرة الله الشاملة، وعلمه المحيط، وليست هي كل الحكمة، فالله أعلم بتفاصيل كل شيءٍ"[5].
قال ابن القيّم: إنّه سبحانه حكيمٌ، لا يفعل شيئًا عبثًا، ولا لغير معنًى ومصلحةٍ وحكمةٍ هي الغاية المقصودة بالفعل، بل أفعاله ـ سبحانه ـ صادرة عن حكمة بالغةٍ لأجلها فعل، كما هي ناشئةٌ عن أسباب بِها فعل، وقد دلَّ كلامُه وكلامُ رسوله على هذا[6].
وقال ابن الوزير اليمانِي: "ولا ريب ولا شبهة أنّ قاعدة الكمال في الأفعال أن يكون صدورها عن الحكمة البالغة في توجيهها إلى المصالح الراجحة والعواقب الحميدة، فكلما ظهر ذلك فيها كانت أدلّ على حكمة فاعلها، وعلمه، وحسن اختياره ومحامده"، ونقل عن ابن الحاجب إجماع الفقهاء على أنّ أفعال الله تعالى صادرة عن حكمة بالغة[7].
قال ابن تيمية: "فالحكمة تتضمن شيئين:
أحدهما: حكمة تعود إليه يحبها ويرضاها، والثاني: إلى عباده، هي نعمة عليهم يفرحون بها ويلتذون بها، وهذا في المأمورات وفي المخلوقات"[8].
3- أفعال الله كلها خير:
أفعال الله تعالى قائمة به، ولا يقوم به إلاّ الأحسن والأكمل، قال تعالى: لِلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِٱلآخِرَةِ مَثَلُ ٱلسَّوْء وَلِلَّهِ ٱلْمَثَلُ ٱلاْعْلَىٰ وَهُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ [النحل:60].
ومع أنّ الهدى والضلال كله بيد الله تعالى، إلاّ أن القرآن لا ينسب إلى الله إلاّ الخير، قال تعالى: ٱهْدِنَا ٱلصّرَاطَ ٱلْمُسْتَقِيمَ  صِرَاطَ ٱلَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ [الفاتحة:6، 7]، فذكر أنّه فاعل النعمة، ثم لمّا ذكر الضلال أضافه إلى غيره، فقال تعالى: غَيْرِ ٱلْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلاَ ٱلضَّالّينَ [الفاتحة:7]. وقال تعالى عن إبراهيم: الَّذِى خَلَقَنِى فَهُوَ يَهْدِينِ  وَالَّذِى هُوَ يُطْعِمُنِى وَيَسْقِينِ  وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ  وَالَّذِى يُمِيتُنِى ثُمَّ يُحْيِينِ [الشعراء:78-81]، نسب الخليل صلى الله عليه وسلم الخلق والهداية والإطعام والسقاية إلى الله تعالى، وعند حكايته للمرض نسبه إلى نفسه.
قال ابن القيّم: "نسب إلى ربِّه كل كمال من هذه الأفعال، ونسب إلى نفسه النقص منها، وهو المرض والخطيئة، وهذا كثير في القرآن الكريم"[9].
وقد نصّ الرسول صلى الله عليه وسلم على أنّ الخير يضاف إلى الله، ولا يضاف إليه الشر، فقال: ((والخير كله في يديك، والشر ليس إليك))[10].
قال الخطابي وغيره: "فيه الإرشاد إلى الأدب في الثناء على الله تعالى ومدحه بأن يضاف إليه محاسن الأمور دون مساويها على جهة الأدب"[11].
4- أفعال الله صادرة عن أسمائه وصفاته، فلا نقص فيها بوجهٍ من الوجوه، وأنه لم يخلق شراً محضاً:
إنّ أسماء الله حسنى، متضمنة لصفاتٍ كاملة، لا نقص فيها بوجهٍ من الوجوه، لا احتمالاً ولا تقديرًا.
وصفات الله تنقسم إلى قسمين: صفات ذاتية؛ وهي التي لم يزل ولا يزال متصفًا بِها، كالعلم والقدرة والسمع والبصر، وغيرها. وصفات فعليّة؛ وهي التي تتعلق بمشيئته، إن شاء فعلها، وإن شاء لم يفعلها، كالاستواء على العرش، والنُزول إلى السماء الدنيا.
ومن هذين القسمين، تصدر أفعال الله تعالى، فكما أنّ أسماء الله وصفاته لا نقص فيها بوجهٍ من الوجوه؛ فكذلك أفعاله لا نقص فيها بوجهٍ من الوجوه، يقول شيخ الاسلام ابن تيمية: "لا نقص في صفاته ولا ذم في أفعاله بل أفعاله كلها إما فضل و إما عدل"[12].
ويقول ابن القيم: "فإن ذاته لها الكمال المطلق الذي لا نقص فيه بوجه من الوجوه، وأوصافه كذلك لها الكمال المطلق والجلال التام ولا عيب فيها ولا نقص بوجه ما، وكذلك أفعاله كلها خيرات محضة لا شر فيها أصلا"[13].
والله تعالى لم يخلق شراً محضاً، بل إن الشرّ الذي خلقه الله تعالى فيه وجه من وجوه الخير، من ذلك خلقه لإبليس عليه لعنة الله، يقول ابن أبي العز: " إبليس الذي هو مادة لفساد الأديان والأعمال والاعتقادات والإرادات وهو سبب لشقاوة كثير من العباد وعملهم بما يغضب الرب سبحانه تبارك وتعالى وهو الساعي في وقوع خلاف ما يحبه الله ويرضاه، ومع هذا فهو وسيلة إلى محاب كثيرة للرب تعالى ترتبت على خلقه وجودها أحب إليه من عدمها، منها أنه يظهر للعباد قدرة الرب تعالى على خلق المتضادات المتقابلات، ومنها ظهور آثار أسمائه المتضمنة لحلمه وعفوه ومغفرته وستره وتجاوزه عن حقه وعتقه لمن شاء من عبيده، فلولا خلق ما يكرهه من الأسباب المفضية إلى ظهور آثار هذه الأسماء لتعطلت هذه الحكم والفوائد وقد أشار النبي صلى الله عليه وسلم إلى هذا بقوله: ((لو لم تذنبوا لذهب الله بكم ولجاء بقوم يذنبون ويستغفرون فيغفر لهم))[14].
ومنها حصول العبودية المتنوعة التي لولا خلق إبليس لما حصلت؛ فإن عبودية الجهاد من أحب أنواع العبودية إليه سبحانه، ولو كان الناس كلهم مؤمنين لتعطلت هذه العبودية وتوابعها من الموالاة لله سبحانه وتعالى والمعاداة فيه، وعبودية الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وعبودية الصبر ومخالفة الهوى، وإيثار محاب الله تعالى، وعبودية التوبة والاستغفار وعبودية الاستعاذة بالله أن يجيره من عدوه ويعصمه من كيده وأذاه، إلى غير ذلك من الحكم التي تعجز العقول عن إدراكها"[15].
5- أفعال الله لا يمكن إحصاؤها وليس يعجزه شيء:
أفعال الله صادرة عن أسمائه الحسنى وصفاته العلى، وأسماء الله غير محصورة بعدد معيَّن، قال ابن القيّم: "إنّ أسماء الله الحسنى لا تدخل تحت حصر، ولا تُحدُّ بعدد؛ فإنّ لله تعالى أسماء وصفات استأثر بِها في علم الغيب، لا يعلمها ملك مقرَّب، ولا نبيٌّ مرسلٌ"[16]، ثم ساق قوله صلى الله عليه وسلم في الحديث المشهور: ((أسألك بكل اسمٍ هو لك سميتَ به نفسك، أو أنزلته في كتابك، أو علَّمته أحدًا من خلقك، أو استأثرتَ به في علم الغيب عندك...)) الحديث[17].
وما استأثر الله تعالى به في علم الغيب لا يمكن لأحد حصره، ولا الإحاطة به.
فإذا تحقق لدينا أنّ أسماء الله لا تدخل تحت حصر، وعلمنا أنّ أفعال الله تصدر عن أسمائه الحسنى تحققنا يقينًا أنّ أفعال الله تعالى كذلك لا تدخل تحت الحصر، وهو الأمر الذي يدل على عظمته جل وعلا.
ومن كمال قدرته سبحانه أنه لا يستحيل شيء أمامه، قال تعالى: إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لّمَا يُرِيدُ [هود:102]، وقال: فَعَّالٌ لّمَا يُرِيدُ [البروج:16]، وقال: إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئاً أَن يَقُولَ لَهُ كُن فَيَكُونُ [يس:82]، ومن صور ذلك أن قَلَبَ عصا موسى عليه السلام إلى حيّةٍ تسعى، وفلق له البحر، وأنزل على بني إسرائيل المنّ والسلوى، وأحيا له البقرة، وفجّر من الحجارة ماءً عذباً زلالاً، وأنزل المائدة على عيسى عليه السلام وقومه، وأحيا له الموتى، وشقّ القمر لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم، إلى غير ذلك من الآيات الباهرة، والدلائل العظيمة التي يستحيل-عادةً- حصولها، وكلها تدل على كمال قدرته سبحانه وتمكّنه من كل شيء.
قال تعالى: وَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِيُعْجِزَهُ مِن شَىْء فِى ٱلسَّمَـٰوٰتِ وَلاَ فِى ٱلأرْضِ إِنَّهُ كَانَ عَلِيماً قَدِيراً [فاطر:44]، يقول الآلوسي: "أي ليس من شأنه عز شأنه أن يسبقه ويفوته مِن شَىْء أي شيء، و(ِمن) لاستغراق الأشياء في السموات ولا في الأرض، هو نظير لاَ يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلاَ كَبِيرَةً والواو حالية أو عاطفة إِنَّهُ كَانَ عَلِيماً قَدِيراً مبالغا في العلم والقدرة والجملة تعليل لنفي الإعجاز"[18].
--------------------------------------------------------------------------------
[1] بيان تلبس الجهمية (1/145).
[2] مجموع الفتاوى (6/233).
[3] انظر: منهاج السنة النبوية (1/141).
[4] انظر: مجموع الفتاوى (4/34-35).
[5] شفاء العليل (ص320).
[6] شفاء العليل (ص190) بتصرف.
[7] إيثار الحق على الخلق (ص190).
[8] مجموع الفتاوى (8/35-36)، وانظر: منهاج السنة النبوية (1/141).
[9] بدائع الفوائد (2/244).
[10] أخرجه مسلم في صلاة المسافرين(771).
[11] انظر: شرح مسلم (6/59)، و فتح الباري لابن حجر (13/532).
[12] مجموع الفتاوى (17/93).
[13] بدائع الفوائد (2/436).
[14] أخرجه مسلم في التوبة (2749).
[15] شرح العقيدة الطحاوية لابن أبي العز الحنفي (ص253-254) باختصار.
[16] بدائع الفوائد (1/165).
[17] أخرجه أحمد (1/394). وصححه ابن حبّان (3/253)، والحاكم (1/519), وصححه الألبانِي في السلسلة الصحيحة (199).
[18] رواح المعاني (22/207) باختصار.


الفقرة الثالثة :
تعلق أفعال الله تعالى بملكه وخلقه وتدبيره:
أفعال الله تعالى تنقسم دلالتها بحسب التأمّل إلى ما يفيد تفرده سبحانه بالملك والخلق والتدبير، وقد ذكرت لكلّ قسم بعض الأمثلة على أفعال الله تعالى، دون إرادة للحصر والاستقصاء؛ فإنّه لا سبيل إلى ذلك، فأفعال الله ـ كما سبق تقريره ـ لا يمكن إحصاؤها، ولا يمكن أيضاً أن يعجزه شيء في الأرض ولا في السماء، فأمره بين الكاف والنون، وبهذا الاعتبار يمكن أن تدل أفعاله سبحانه على تمام ملكه وتمام خلقه وتمام تدبيره.
أ- أفعال تدل على تمام ملكه:
1- الإحيـاء:
الحياة خلقٌ من خلق الله، ٱلَّذِى خَلَقَ ٱلْمَوْتَ وَٱلْحَيَوٰةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً وَهُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْغَفُورُ [الملك:2].
 قال ابن كثير: "معنى الآية أنّه أوجد الخلائق من العدم ِليَبْلُوَكُمْ أي يختبرهم أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً وهو من أدلِّ الأدلة على كمال تصرف الله في ملكه"[1].
وقال تعالى: إِنَّ ٱللَّهَ لَهُ مُلْكُ ٱلسَّمَـٰوٰتِ وَٱلأرْضِ يُحْىِ وَيُمِيتُ [التوبة:116].
قال الطبريُّ: "إنّ الله ـ أيُّها النّاس ـ له سلطان السماوات والأرض، وملكهما، وكلّ من دونه من الملوك فعبيده ومماليكه، بيده حياتُهم وموتُهم، يحيي من يشاء منهم، ويميتُ من يشاء"[2].
قال البيهقي: "المحيي: هو الذي يحي النطفة الميتة، فيخرج منها النسمة الحية، ويحي الأجسام البالية بإعادة الأرواح إليها عند البعث، ويحيي القلوب بنور المعرفة، ويحيي الأرض بعد موتها؛ بإنزال الغيث، وإنبات الرزق"[3].
وجاء في حديث أنس رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((... اللهم أحيني ما كانت الحياة خيراً لي، وتوفني إذا كانت الوفاة خيراً لي))[4].
وقد خصَّ الله تعالى بعض خلقه بإحياء الموتَى آيةً له من عنده على صدقه،
قال تعالى عن عيسى عليه السلام: أَنّى قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مّن رَّبّكُمْ أَنِى أَخْلُقُ لَكُمْ مّنَ ٱلطّينِ كَهَيْئَةِ ٱلطَّيْرِ فَأَنفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِ ٱللَّهِ وَأُبْرِىء ٱلاْكْمَهَ وٱلاْبْرَصَ وَأُحْىِ ٱلْمَوْتَىٰ بِإِذْنِ ٱللَّهِ وَأُنَبّئُكُم بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِى بُيُوتِكُمْ إِنَّ فِي ذٰلِكَ لأَيَةً لَّكُمْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ [آل عمران:49].
قال ابن جرير: "كان إحياء عيسى الموتَى بدعاء الله، يدعو لهم، فيستجيب له"[5].
2- الإماتـة:
قال تعالى: وَأَنَّهُ هُوَ أَمَاتَ وَأَحْيَا [النجم:44].
قال الطبري: "يقول تعالى ذكره، وأنه هو أمات من أمات من خلقه، وهو أحيا من حيي منهم"[6].
وقال البيهقي: "المميت: هو الذي يميت الأحياء، ويوهي[7] بالموت قوة الأقوياء"[8].
ويظنُّ بعض السذجِّ من النِّاس أنّه يملك مع الله من ذلك شيئًا، من الذين اغترُّوا بقوتِهم وملكهم، ولذلك لم يلتفت إبراهيم لقول نمروذ أثناء مناظرته له ألَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِى حَاجَّ إِبْرٰهِيمَ فِى رِبّهِ أَنْ آتَـٰهُ ٱللَّهُ ٱلْمُلْكَ إِذْ قَالَ إِبْرٰهِيمُ رَبّيَ ٱلَّذِى يُحْىِ وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا أُحْىِ وَأُمِيتُ [البقرة:258]، أي: أقتل من شئتُ وأمنّ على من شئتُ، فأكون أحييتُ وأمتُ، فأعرض إبراهيم عنه، وعلم أنّه مغرور بملكه، وقال له: قَالَ إِبْرٰهِيمُ فَإِنَّ ٱللَّهَ يَأْتِى بِٱلشَّمْسِ مِنَ ٱلْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ ٱلْمَغْرِبِ فَبُهِتَ ٱلَّذِى كَفَرَ وَٱللَّهُ لاَ يَهْدِى ٱلْقَوْمَ ٱلظَّـٰلِمِينَ [البقرة:258].
3- البعـث:
قال تعالى: وَٱلْمَوْتَىٰ يَبْعَثُهُمُ ٱللَّهُ ثُمَّ إِلَيْهِ يُرْجَعُونَ [الأنعام:36].
وقال تعالى: زَعَمَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ أَن لَّن يُبْعَثُواْ قُلْ بَلَىٰ وَرَبّى لَتُبْعَثُنَّ ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِمَا عَمِلْتُمْ وَذَلِكَ عَلَى ٱللَّهِ يَسِيرٌ [التغابن:7].
قال البيهقي: "الله تعالى يعيد الرفات من أبدان الأموات، ويجمع ما تفرّق منها في البحار وبطون السباع وغيرها حتى تصير بهيئتها الأولى، ثم يجمعها حية، فيقوم الناس كلهم بأمر الله تعالى أحياءً صغيرهم وكبيرهم، حتى السقط الذي قد تم خلقه ونفخ فيه الروح"[9].
وجاء العاص بن وائل بعظام هش وفتّه بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: أتزعم أن الله سيحي العظام وهي رميم فأنزل الله عز وجل ـ هذه الآية رداً عليه ـ قُلْ يُحْيِيهَا ٱلَّذِى أَنشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلّ خَلْقٍ عَلِيمٌ [يس:79][10].
4- الإعـزاز:
العزة لله وحده، يهبها لمن يشاء، ويمنعها عمّن يشاء كما قال: وَتُعِزُّ مَن تَشَاء وَتُذِلُّ مَن تَشَاء ولا تكون إلاَّ في اتِّباع أمره، ولا يكون العبد المطيع لله ذليلاً أبدًا، وقد علّم النبي صلى الله عليه وسلم الحسن بن علي رضي الله عنهما دعاء القنوت وفيه: ((لا يذلُّ من والَيْت، ولا يعزّ من عاديت))[11]، والولي هو العبد الطائع لله.
وجاء في حديث تميم الداري رضي الله عنه قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ((ليبلغن هذا الأمر ما بلغ الليل والنهار، ولا يترك الله بيت مدر ولا وبر إلا أدخله الله هذا الدين، بعز عزيز أو بذل ذليل، عزًا يعز الله به الإسلام، وذلا يذل الله به الكفر))، وكان تميم الداري يقول قد عرفت ذلك في أهل بيتي لقد أصاب من أسلم منهم الخير والشرف والعز ولقد أصاب من كان منهم كافرا الذل والصغار والجزية[12].
ومعنى العزة: المنعة والغلبة، ومنه قوله تعالى: وَعَزَّنِى فِى ٱلْخِطَابِ [ص:23]، أي: غلبني وقهرني، ومن أمثال العرب (من عزّ بزّ) أي: من غلب استلب[13].
5- الإذلال:
الذلُّ سمة يسمها الله ـ وحده ـ في وجوه العصاة والتاركين لأمره، كما قال عمر رضي الله عنه: (نحن أمَّة أعزَّها الله بالإسلام، فمهما ابتغينا العزَّة في غيره أذلَّنا الله)، فترك أمر الله مجلبٌ للذلِّ والهوان، ولقد قال الحسن البصري: "وإن هملجت[14] بهم البراذين وطقطقت[15] بهم البغال، إن ذل المعصية لفي قلوبهم، أبى الله عز وجل إلا أن يذل من عصاه"[16].
6- الإغنـاء:
بيد الله سبحانه وتعالى خزائن السموات والأرض، لا ينقصها شيء، كما جاء في الحديث القدسي: ((يا عبادي لو أنّ أوَّلكم وآخركم، وإنسكم وجنَّكم، قاموا في صعيدٍ واحدٍ فسألونِي فأعطيتُ كلّ إنسانٍ مسألته، ما نقص ذلك ممّا عندي، إلاَّ كما ينقص المخيط إذا أدخل البحر))[17]. قَالَ الْعُلَمَاء: "هذا تقْرِيب إِلى الْأَفْهام، ومعناه لا ينقص شيْئًا أَصلًا كما قال في الْحديث الآخر: ((لا يغِيضهَا نفقة)) أَي لا ينقصها نفقة; لأَنَّ ما عنْد الله لا يدخله نَقْص، وإنمَا يدخل النَّقْص الْمحدود الفانِي، وعطاء اللَّه تعالى من رحمته وكرمه، فضرب المثل بالْمِخْيَطِ في البحر، لأَنَه غاية ما يضرب به المثل في القلَّة، والمقْصُود التقريب إلى الإفْهام بما شاهَدوهُ; فإِنَّ البحر منْ أعْظَم المرْئِيَّات عَيانًا، وَأَكبَرها، والإبرة من أَصْغر الموجودات، مع أنها صقِيلَة لا يتعلَّق بها ماء"[18].
7- الإفقـار:
وكما أنّ الله يعطي من يشاء، فكذلك من حكمته وتمام ملكه أنّه يمنع من يشاء، يبسط الرزق لمن يشاء، ويضييقه على من يشاء، وله في جميع ذلك الحكمة البالغة، قال تعالى: يَبْسُطُ ٱلرّزْقَ لِمَن يَشَاء وَيَقْدِرُ إِنَّهُ بِكُلّ شَىْء عَلِيمٌ [الشورى:12]، ومن قدَّر ـ أي ضيَّق ـ الله عليه رزقه فلا باسط له أبدًا، قال ابن جرير الطبري: "يوسع رزقه وفضله على من يشاء من خلقه ويبسط له، ويكثر ماله وغنيه  وَيَقْدِرُ يقول: ويقتر على من يشاء منهم فيضيقه ويفقره إِنَّهُ بِكُلّ شَىْء عَلِيمٌ يقول: إن الله تبارك وتعالى بكل ما يفعل من توسيعه على من يوسع، وتقتيره على من يقتر، ومن الذي يصلحه البسط عليه في الرزق، ويفسده من خلقه، والذي يصلحه التقتير عليه ويفسده"[19].
8- الإهـلاك:
إذا أهلك الله أمّةً؛ أبادها، وجعلها عبرةً للمعتبرين، فأهلك قومَ نوحٍ بأن أغرقهم وَقَوْمَ نُوحٍ لَّمَّا كَذَّبُواْ ٱلرُّسُلَ أَغْرَقْنَـٰهُمْ وَجَعَلْنَـٰهُمْ لِلنَّاسِ ءايَةً [الفرقان:37]، وأرسل على عادٍ ريحًا صرصرًا عاتية وَأَمَّا عَادٌ فَأُهْلِكُواْ بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عَاتِيَةٍ [الحاقة:6]، وأخذ ثمود بالصيحة وَأَخَذَ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ ٱلصَّيْحَةُ فَأَصْبَحُواْ فِى دِيَارِهِمْ جَـٰثِمِينَ [هود:13]، وقلب الأرض على قوم لوط فَجَعَلْنَا عَـٰلِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مّن سِجّيلٍ [الحجر: 74]، وأهلك عاداً بالريح عاتية، وثمود بالصيحة، وفرعون بالغرق، وخسف بقارون فَكُلاًّ أَخَذْنَا بِذَنبِهِ فَمِنْهُم مَّن أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِباً وَمِنْهُمْ مَّنْ أَخَذَتْهُ ٱلصَّيْحَةُ وَمِنْهُمْ مَّنْ خَسَفْنَا بِهِ ٱلأرْضَ وَمِنْهُمْ مَّنْ أَغْرَقْنَا وَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَـٰكِن كَانُواْ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ [العنكبوت:40]، ثم هو سبحانه لا يخاف تبِعةَ إهلاكه لهم قال تعالى: وَلاَ يَخَافُ عُقْبَـٰهَا [الشمس:15]، قال الحسن البصري في تفسيرها: "ذلك ربنا تبارك وتعالى لا يخاف تبِعة مما صنع بهم"[20]، وقال ابن القيم: "فنفى عن نفسه خوف عاقبة ما فعله من إهلاك أعدائه، بخلاف المخلوق فإنه إذا انتقم من عدوه يخاف عاقبة ذلك إما من الله وإما من المنتصرين لعدوه وذلك على الله محال"[21].
9- الإنجـاء:
ينجي الله عزّ وجل من عذابه عباده المؤمنين، مظهرًا بذلك نصرته لهم، وإعزازهم إيّاهم، قال تعالى: وَلَمَّا جَاء أَمْرُنَا نَجَّيْنَا هُودًا وَٱلَّذِينَ ءامَنُواْ مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مّنَّا وَنَجَّيْنَاهُمْ مّنْ عَذَابٍ غَلِيظٍ [هود:58]، وقال تعالى: فَلَمَّا جَاء أَمْرُنَا نَجَّيْنَا صَـٰلِحاً وَٱلَّذِينَ ءامَنُواْ مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مّنَّا وَمِنْ خِزْىِ يَوْمِئِذٍ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ ٱلْقَوِىُّ ٱلْعَزِيزُ [هود:66]، وقال تعالى: وَلَمَّا جَاء أَمْرُنَا نَجَّيْنَا شُعَيْبًا وَٱلَّذِينَ ءامَنُواْ مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مّنَّا وَأَخَذَتِ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ الصَّيْحَةُ فَأَصْبَحُواْ فِى دِيَـٰرِهِمْ جَـٰثِمِينَ [هود:94]، قال ابن القيم: "فهو سبحانه الذي ينجي من قضائه بقضائه وهو الذي يعيذ بنفسه من نفسه وهو الذي يدفع ما منه بما منه فالخلق كله له والأمر كله له والحكم كله له"[22].
10- الإغاثـة:
الاستغاثة طلب النصرة، والإغاثة إجابة للاستغاثة، قال تعالى: إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَٱسْتَجَابَ لَكُمْ أَنّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مّنَ ٱلْمَلَـئِكَةِ مُرْدِفِينَ [الأنفال:9]، قال ابن جرير: "معنى قوله: إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ تستجيرون به من عدوكم، وتدعونه للنصر عليهم فَٱسْتَجَابَ لَكُمْ يقول: فأجاب دعاءكم، بـ أَنّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مّنَ ٱلْمَلَـئِكَةِ يردف بعضهم بعضًا، ويتلو بعضهم بعضًا"[23].
عن عبد الله بن عباس، قال: حدثني عمر بن الخطاب قال: لَمَّا كان يوم بدر نظر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المشركين وهم ألف، وأصحابه ثلاثمائة وتسعة عشر رجلاً، فاستقبل نبيُّ الله صلى الله عليه وسلم القبلةَ، ثم مدَّ يديه فجعل يهتف بربه: ((اللهم أنجز لي ما وعدتني، اللهم آت ما وعدتني، اللهم إن تهلك هذه العصابة من أهل الإسلام لا تعبد في الأرض)). فما زال يهتف بربِّه مادًّا يديه مستقبل القبلة؛ حتى سقط رداؤه عن منكبيه. فأتاه أبو بكر، فأخذ رداءه فألقاه على منكبيه، ثم التزمه من ورائه، وقال: يا نبي الله! كذاك مناشدتك ربّك، فإنه سينجز لك ما وعدك. فأنزل الله عز وجل: إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَٱسْتَجَابَ لَكُمْ أَنّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مّنَ ٱلْمَلَـئِكَةِ مُرْدِفِينَ فأمده الله بالملائكة[24] والغيث المطر، والله عزّ وجلّ يغيث عباده، لا يغيثهم سواه، إِنَّ ٱللَّهَ عِندَهُ عِلْمُ ٱلسَّاعَةِ وَيُنَزّلُ ٱلْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِى ٱلاْرْحَامِ.. [لقمان:34]، قال ابن جرير الطبري: "وينزل الغيث من السماء لا يقدر على ذلك أحد غيره"[25]، وقال تعالى: وَهُوَ ٱلَّذِى يُنَزّلُ ٱلْغَيْثَ مِن بَعْدِ مَا قَنَطُواْ وَيَنشُرُ رَحْمَتَهُ وَهُوَ ٱلْوَلِىُّ ٱلْحَمِيد [الشورى:28]، وهذا ـ ولا شكَّ ـ من أقوى الأدلة التي لا تنكرها الفِطَر السليمة على وحدانية الربّ في أفعاله.
11- إجابـة الدعـاء:
من يهب ويعطي، ويسمع النداء، ويجيب الدعاء، إلاَّ ربُّ الأرض والسماء، قال تعالى: وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنّي فَإِنّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ ٱلدَّاعِ إِذَا دَعَانِ [البقرة:186]، قال ابن جرير: "يعني تعالى ذكره بذلك وإذا سألك يا محمد عبادي عني أين أنا؟ فإني قريب منهم أسمع دعاءهم وأجيب دعوة الداعي منهم"[26]، ثم إنه لا يكشف الضر، ويرفع البلواء، إلاّ مالك الملك، قال تعالى: أَمَّن يُجِيبُ ٱلْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ ٱلسُّوء وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاء ٱلأرْضِ أَءلَـٰهٌ مَّعَ ٱللَّهِ قَلِيلاً مَّا تَذَكَّرُونَ [النمل:62]، وروي أنّ سليمان بن داود ـ عليهما السلام ـ خرج يستسقي، فإذا هو بنملة مستلقية على ظهرها، رافعة قوائمها إلى السماء، وهى تقول: اللهم إنَّا خلق من خلقك، ولا غنى بنا عن سقياك، وإلاَّ تسقنا تُهلكنا. فقال سليمان: ارجعوا فقد سقيتم بدعوة غيركم[27].
فأيُّ غبنٍ، وأيُّ جهلٍ يصاب به ابن آدم حين يترك سؤال الغني، ويذهب يستجدي الفقير ويسأله.
12- الإضرار، وكشفـه:
الملك قادرٌ على إضرار عبده، ولا يرفع هذا الضرّ غيره، كلّ ذلك تبعًا لحكمته وعدله، قال تعالى: وَإِن يَمْسَسْكَ ٱللَّهُ بِضُرّ فَلاَ كَـٰشِفَ لَهُ إِلاَّ هُوَ [الأنعام:17]، ولذلك كان الأنبياء أعرف النّاس بالله، لا يلجؤون في نوائبهم إلاَّ الله وحده، طلبًا لرفع الضرِّ عنهم، كما قال تعالى عن أيوب عليه السلام: وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَىٰ رَبَّهُ أَنّى مَسَّنِىَ ٱلضُّرُّ وَأَنتَ أَرْحَمُ ٱلرَّاحِمِينَ [الأنبياء:83]، فاستجاب الله له، وكشف عنه ضرَّه، فَٱسْتَجَبْنَا لَهُ فَكَشَفْنَا مَا بِهِ مِن ضُرّ وَءاتَيْنَـٰهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَّعَهُمْ رَحْمَةً مّنْ عِندِنَا وَذِكْرَىٰ لِلْعَـٰبِدِينَ [الأنبياء:84]. قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "الله تعالى هو الذى يحب أن يكون هو المقصود المدعو المطلوب وهو المعين على المطلوب وما سواه هو المكروه وهو المعين على دفع المكروه فهو سبحانه الجامع للأمور الأربعه دون ما سواه وهذا معنى قوله: إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ "[28].
13- إيصال النفع، وحجبه:
لا يملك النفع والضرّ أحدٌ سوى الله عزّ وجلّ، ولقد أمر الله أقرب الخلق إليه أن ينفي عن نفسه شيئًا من ملك النفع أو الضرّ، وقال الله تعالى لرسول الله صلى الله عليه وسلم: قُلْ إِنّى لاَ أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرّاً وَلاَ رَشَداً [الجنّ:21]، ولذا عاب الله ـ تبارك وتعالى ـ على الكفار والمشركين عبادتَهم من دون الله مَن لا يملك من الضرّ والنفع شيئًا، قال تعالى: قُلْ مَن رَّبُّ ٱلسَّمَـٰوٰتِ وَٱلأرْضِ قُلِ ٱللَّهُ قُلْ أَفَٱتَّخَذْتُمْ مّن دُونِهِ أَوْلِيَاء لاَ يَمْلِكُونَ لانْفُسِهِمْ نَفْعًا وَلاَ ضَرّا [الرعد:16]، وقال في بني إسرائيل عبدة العجل: أَفَلاَ يَرَوْنَ أَلاَّ يَرْجِعُ إِلَيْهِمْ قَوْلاً وَلاَ يَمْلِكُ لَهُمْ ضَرّاً وَلاَ نَفْعاً [طه:89]، قال الطبري: "يقول تعالى ذكره موبِخًا عبدة العجل، والقائلين له: هَـٰذَا إِلَـٰهُكُمْ وَإِلَـٰهُ مُوسَىٰ فَنَسِىَ وعابَهم بذلك، وسفَّه أحلامهم بما فعلوا، ونالوا منه = أنّ العجل الذي زعموا أنّه إلههم وإله موسى، لا يكلمهم، وإن كلموه لم يرد عليهم جوابًا، ولا يقدر على ضرٍّ ولا نفعٍ. فكيف يكون ما كانت هذه صفته إلهًا ؟!"[29]، بينما لا يملك النفع والضرّ إلاّ المستحق للعبادة وحده، وهو الله، قال تعالى: وَإِذَا مَسَّكُمُ ٱلْضُّرُّ فِى ٱلْبَحْرِ ضَلَّ مَن تَدْعُونَ إِلا إِيَّاهُ فَلَمَّا نَجَّـٰكُمْ إِلَى ٱلْبَرّ أَعْرَضْتُمْ وَكَانَ ٱلإِنْسَـٰنُ كَفُورًا [الإسراء:67]، وجاء في حديث ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال له: ((واعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك، ولو اجتمعوا على أن يضروك بشيء لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك رفعت الأقلام وجفت الصحف))[30].
14- الهدايـة:
لا ينشرح القلب للحقِّ، ولا تنقاد النفس إليه طواعيةً، إلاَّ بفعلٍ من الله تعالى، اختصَّ بِها، ولا يجعل منها شيئًا لغيره، قال تعالى: إِنَّكَ لاَ تَهْدِى مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ يَهْدِى مَن يَشَاء وَهُوَ أَعْلَمُ بِٱلْمُهْتَدِينَ [القصص:56]، وقال تعالى: أَفَلَمْ يَاْيْـئَسِ ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ أَن لَّوْ يَشَاء ٱللَّهُ لَهَدَى ٱلنَّاسَ جَمِيعًا [الرعد:31]، والهداية هدايتان: 1- هداية الإرشاد والبيان. 2- هداية التوفيق. فهداية الإرشاد والتوجيه تكون للناس كافة، أما هداية التوفيق فهي بيد الله وحده قال ابن القيم: "فرسله الهداة هداية الدلالة والبيان، وهو [أي: الله]، الهادي هداية التوفيق والإلهام، فالرسل هم الأدلة حقا، والله سبحانه هو الموفق الملهم الخالق للهدى في القلوب"[31].
فهو سبحانه يهدي عباده إلى ما ينفعهم، قال الشيخ عبد الرحمن بن سعدي: "الهادي: الذي يهدي ويرشد عباده إلى جميع المنافع وإلى دفع المضار، ويعلمهم ما لا يعلمون، ويهديهم لهداية التوفيق والتسديد، ويلهمهم التقوى، ويجعل قلوبهم منيبة إليه منقادة لأمره"[32].
15- الإضـلال:
أمّا الإضلال؛ فإنّ الله تعالى يهدي من يشاء ويضلُّ من يشاء، وله الحكمة البالغة في ذلك، قال تعالى: مَن يَشَإِ ٱللَّهُ يُضْلِلْهُ وَمَن يَشَأْ يَجْعَلْهُ عَلَىٰ صِرٰطٍ مُّسْتَقِيمٍ [الأنعام:39]، فهو المضلُّ من يشاء إضلاله من خلقه عن الإيمان إلى الكفر، وهو الهادي إلى الصراط المستقيم منهم مَن أحب هدايته فموفقه بفضله وطوله للإيمان به، له الخلق والأمر[33]، وهو سبحانه لا يضلّ إلا الفاسقين كما قال: يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا وَيَهْدِي بِهِ كَثِيرًا وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلاَّ ٱلْفَـٰسِقِينَ [البقرة:26].   قال ابن القيم: "أخبر أنه لا يضل إلا الفاسقين الذين ينقضون عهده من بعد ميثاقه، وأنه إنما يضل من آثر الضلال واختاره على الهدى؛ فيطبع حينئذ على سمعه وقلبه، وأنه يقلب قلب من لم يرض بهداه إذا جاءه ولم يؤمن به ودفعه ورده، فيقلب فؤاده وبصره عقوبة له على رده ودفعه لما تحققه وعرفه، وأنه سبحانه لو علم في تلك المحال التي حكم عليها بالضلال والشقاء خيرا لأفهمها وهداها ولكنها لا تصلح لنعمته ولا تليق بها كرامته وقد أزاح سبحانه العلل وأقام الحجج ومكن من أسباب الهداية وأنه لا يضل إلا الفاسقين والظالمين"[34].
ومن أراد الله إضلاله؛ فلا هدى ولا فلاح يُرجى له بعد ذلك، قال تعالى: مَن يَهْدِ ٱللَّهُ فَهُوَ ٱلْمُهْتَدِ وَمَن يُضْلِلْ فَلَن تَجِدَ لَهُ وَلِيّا مُّرْشِدًا [الكهف:17]، ولا عاقبة له إلاّ الخسران المبين مَن يَهْدِ ٱللَّهُ فَهُوَ ٱلْمُهْتَدِى وَمَن يُضْلِلْ فَأُوْلَـئِكَ هُمُ ٱلْخَـٰسِرُونَ [الأعراف:178]، قال الطبري: "ومن فعل الله ذلك به ـ أي أضلَّه ـ فهو الخاسر يعني الهالك"[35].
وإضلال الله تعالى إضلال بعدله لا يعتريه ظلم، قال ابن القيم: "فهو سبحانه ما عدل عن موجب العدل والإحسان في هداية من هدى وإضلال من أضل، ولم يطرد عن بابه، ولم يبعد عن جنابه، من يليق به التقريب والهدى والإكرام، بل طرد من لا يليق إلا الطرد والإبعاد، وحكمته وحمده تأبى تقريبه وإكرامه، وجعله من أهله وخاصته وأوليائه"[36].
ب- أفعال تدل على تمام قدرته على الخلق:
1- خلق كلّ شيءٍ سواه:
لم يصدر هذا الكون كلَّه إلاّ عن إلهٍ واحدٍ، قال تعالى: ذٰلِكُمُ ٱللَّهُ رَبُّكُمْ لا إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ خَـٰلِقُ كُلّ شَىْء فَٱعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلَىٰ كُلّ شَىْء وَكِيلٌ [الأنعام:102]، وقال تعالى: قُلِ ٱللَّهُ خَـٰلِقُ كُلّ شَىْء وَهُوَ ٱلْوَاحِدُ ٱلْقَهَّـٰرُ [الرعد:16]، قال الطبري: "قل لهؤلاء المشركين إذا أقرُّوا لك أن أوثانَهم ـ التي أشركوها في عبادة الله ـ لا تخلق شيئًا، فالله خالقكم وخالق أوثانكم، وخلق كل شيءٍ فما وجه إشراككم ما لا تخلق ولا تضر... وهو الفرد الذي لا ثاني له، القهار الذي يستحق الألوهة والعبادة، لا الأصنام والأوثان التي لا تضر ولا تنفع"[37].
2- صوَّر خلقه في أحسن صورة:
والله عزّ وجلّ من أفعاله التي لا يقوم بِها غيره: أنّه يوجد الأشياء خلقًا وإبداعًا على شكل مميِّز له عن غيره، وصورة مفارقة له عمّا سواه، يختارها له ـ سبحانه ـ وفقًا لحكمته وكمال علمه، قال ابن منظور: "ومن أسماء الله المصوّر، وهو الذي صوّر جميع الموجودات ورتبها، فأعطى كل شيء منها صورة خاصة وهيئة مفردة يتميز بها على اختلافها وكثرتها"[38].
فصورة الإنسان بقوامه وشكل أعضائه ووجهه، تختلف عن صورة العصفور بصغر حجمه وشكل وجهه، وتميَّزه بالجناحين، ليتمكن من تأدية وظفيته في الحياة من خلالهما.
والنباتات بجميع أشكالها وأطوالها، والجبال بمختلف أحجامها وألوانِها، والأنْهار والبحار، كلٌ متميِّزٌ بصورته التي صوَّره الله عليها كما قال تعالى: ٱلَّذِى أَعْطَىٰ كُلَّ شَىء خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَىٰ [طه:50]، وقال ممتناً على عباده: ٱلَّذِى خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ   فِى أَىّ صُورَةٍ مَّا شَاء رَكَّبَكَ [الانفطار:7، 8]، قال ابن جرير: "أي صرفك وأمالك إلى أي صورة شاء، إلى صورة حسنة، وإما إلى صورة قبيحة، أو إلى صورة بعض قراباته"[39].
فالله تعالى خلق الإنسان وجعل صورته مختلفة عن غيره ليحصل بهذا الاختلاف التعارف والتمايز فيما بينهم، قال الخطابي: "المصور: هو الذي أنشأ خلقه على صور مختلفة ليتعارفوا بها فقال: وَصَوَّرَكُـمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُـم [غافر:64]، ومعنى التصور: التخطيط والتشكيل، وخلق الله جل وتعالى الإنسان في أرحام الأمهات ثلاث خلق: جعله علقة، ثم مضغةً، ثم جعلها صورة وهو التشكيل الذي به يكون ذا صورةٍ وهيئةٍ يُعرف بها ويتميّز بها عن غيره بسماتها، فَتَبَارَكَ ٱللَّهُ أَحْسَنُ ٱلْخَـٰلِقِينَ [المؤمنون:14]"[40].
3- الإحكام في خلقه:
قال ابن فارس: "الحاء والكاف والميم: أصلٌ واحدٌ، وهو المنع"[41]، فالإحكام إذًا هو الإتقان في الخلق بحيث لا يتطرق أيُّ خلل أو عيبٍ، ومنه قوله تعالى: ٱلَّذِى خَلَقَ سَبْعَ سَمَـٰوٰتٍ طِبَاقًا مَّا تَرَىٰ فِى خَلْقِ ٱلرَّحْمَـٰنِ مِن تَفَـٰوُتٍ فَٱرْجِعِ ٱلْبَصَرَ هَلْ تَرَىٰ مِن فُطُورٍ [الملك:4].
وهذا الإحكام في الخلق شاهدٌ على تفردِ الصانع، وأنّه واحدٌ لا شريك له.
قال ابن العزّ الحنفي: "وانتظام أمر العالم كله، وإحكام أمره من أدلّ دليلٍ على أنّ مدبره إلهٌ واحدٌ، وملك واحدٌ، وربّ واحد، لا إله للخلق غيره، ولا ربّ لهم سواه"[42].
4- الإتقان في خلق الله:
الإتقان والإحسان في خلق الله لخلقه يتجلَّى في مظاهر، كثيرة منها:
- خلق الله السموات السبع والأرضين السبع وما بينهما في ستة أيّام، قال تعالى: ٱللَّهُ ٱلَّذِى خَلَقَ ٱلسَّمَـٰوٰتِ وَٱلأرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِى سِتَّةِ أَيَّامٍ [السجدة:4].
قال القرطبيُّ: "وذكر هذه المدة، ولو أراد خلقها في لحظة لفعل؛ إذ هو القادر على أن يقول لها كونِي فتكون، ولكنه أراد أن يُعلِّم العباد الرفق والتثبت في الأمور، ولتظهر قدرته للملائكة شيئًا بعد شيءٍ".
وليدل على مقدار عنايته بخلقها وإحسانِه لها، وإتقانه لخلقه، كما قال تعالى: صُنْعَ ٱللَّهِ ٱلَّذِى أَتْقَنَ كُلَّ شَىْء [النمل:88].
قال القرطبيُّ: "أي هذا من فعل الله، و ما هو فعل منه؛ فهو متقن"[43].
وفي إتقانه لخلق الإنسان يقول ابن القيم: "وضع الله قوة البصر والنور للباصر في العين، وقوة السمع في الأذن وقوة الشم في الأنف وقوة النطق في اللسان والشفتين وقوة البطش في اليد وقوة المشي في الرجل وخص كل حيوان وغيره بما يليق به ويحسن أن يعطاه من أعضائه وهيئاته وصفاته وقدره فشمل إتقانه وإحكامه لكل ما شمله خلقه كما قال تعالى: صنع الله الذي أتقن كل شيء"[44].
- وفي رفع السموات بغير عمد، قال تعالى: ٱللَّهُ ٱلَّذِى رَفَعَ ٱلسَّمَـٰوٰتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا [الرعد: 2].
قال القرطبيُّ: "آية السموات ارتفاعها بغير عمد من تحتها، ولا علائق من فوقها"[45].
قال الطبري: "وأولى الأقوال في ذلك بالصحة أن يقال كما قال الله تعالى: الله الذي رفع السموات بغير عمد ترونها؛ فهي مرفوعة بغير عمد نراها كما قال ربنا جل ثناؤه، ولا خبر بغير ذلك، ولا حجة يجب التسليم لها بقول سواه"[46].
5- أبدع خلقـه:
بدع الشيء: أنشأه على غير مثال سابق. والإبداع عند الفلاسفة: إيجاد الشيءِ من العدم.
قال الطبريُّ: "ومعنى المبدع: المنشىء والمحدث ما لم يسبقه إلى إنشاء مثله وإحداثه أحد"[47].
وإطلاقه على الله تعالى آكد، قال ابن القيم: "مبدع الشيء وبديعه لا يصح إطلاقه إلا على الرب كقوله بديع السماوات والأرض الإبداع إيجاد المبدع على غير مثال سبق"[48].
وهذا الإبداع في فعل الله سبحانه وتعالى، يثبت لنا عظيم غنى الله عن خلقه، وكمال قدرته، فهو يتنافى تمامًا مع ما تزعمه النصارى في عيسى عليه السلام، من أنّه ابنٌ لله، وقد وصف الله نفسه في كتابه في موضعين بأنّه بديع السموات والأرض على غير مثال سابقٍ، أثناء نفيِّه عن نفسه الولد.
قال تعالى: وَقَالُواْ ٱتَّخَذَ ٱللَّهُ وَلَدًا سُبْحَـٰنَهُ بَل لَّهُ مَا فِي ٱلسَّمَ

 
 صفحة للطباعة صفحة للطباعة

 أرسل هذا المقال لصديق أرسل هذا المقال لصديق


شبكة التربية الإسلامية الشاملة
المشرف العام الأستاذ أحمد مدهار
جميع الحقوق محفوظة للشبكة
2004/2003
لأفضل مشاهدة ننصح بأن تكون درجة وضوح الشاشة 1024× 768